قراءات في الأدب الكوردي المعاصر(حه‌مك وسینه‌م) / د. ماجد الحيدر

قراءات في الأدب الكوردي المعاصر

حه‌مك وسینه‌م..ملحمة شعرية للشاعر الكوردي قادر قاجاغ

 في عمله الأدبي الصادر حديثاً ” حه‌مك وسینه‌م ” يحاول الشاعر الكوردي قادر قاجاع الولوج الى فن شعري قديم/جديد حفل تاريخ الأدب الكوردي بالعديد من نماذجه الجميلة المبدعة ألا وهو الملحمة الشعرية. في هذا العمل يعمد قاجاغ الى محاكاة الملاحم الشعرية السابقة لإنتاج أثر ذي قالب تقليدي لكنه جديد في مضمونه الفكري والسياسي والاجتماعي يؤكد من خلاله على الكشف الواضح والصريح لجذور المعاناة التاريخية لشعبنا الكوردي وما يراه، من وجهة نظره، من حلول ومقتربات للخروج من هذه المعاناة المتكررة التي استهلكت عرق ودماء الأجيال تلو الأجيال وحرمت هذا الشعب الكبير العريق من إنشاء كيانه السياسي المستقل واللحاق بركب شعوب العالم وأممه الأخرى.

تصدرت العمل مقدمة مسهبة بقلم الشاعر حاول فيها تسليط الضوء على العديد من القضايا التاريخية والفنية والاجتماعية وسأحاول بدوري تقديم خلاصة وافية لما جاء فيها نظراً لطرحها غير التقليدي للعديد من القضايا المهمة.

في استهلاله للمقدمة يعرب قاجاغ عن عدم تحبيذه لفكرة كتابة المقدمات مستشهداً بمقولة الشاعر الداغستاني الشهير رسول حمزاتوف الذي يقول إن العمل الأدبي القدير يمتلك قوادم وأجنحة تمكنه من التحليق وشق طريقه دون عون من أحد سواء نحو المكتبات أو نحو سجلات الثقافة والتراث الفكري، بينما يعجز العمل الضعيف ومهما بلغ حجمه وعدد صفحاته عن سد أي فراغٍ مهما ضؤل. لكن قاجاغ يستدرك على مقولة حمزاتوف بأنه يرى نفسه مضطراً الى إلقاء بعض الضوء على عمله هذا لكونه يقدم برأيه شيئاً جديداً يستحق إلقاء الضوء. سُئِل أحد المفكرين: لماذا تأتي بالكثير من الأمثلة والنماذج حين تتحدث في موضوع تشعر بأهميته؟ فأجاب: لأن ثقافة شعبنا  كانت عمياء صمّاء، كان أهلنا يملكون عيوناً لكنهم لا يبصرون وآذاناً لكنهم لا يسمعون. ثم يشير الى مقولة لأفلاطون: في ظل الدكتاتورية و أعوانها يظهر الى الوجود مثقفون كاذبون ونقاد أغبياء وجماهير عمياء، ليخلص الى القول بأن المبدعين والأدباء والفنانين لا بد أن يكونوا عيوناً وآذاناً وألسنة لشعوبهم خصوصاً عندما تحاول الدكتاتوريات إخراسهم وحرمانهم من السمع والبصر.

ثم ينعطف الشاعر الى قضية شعبنا الكوردي ليعلن أن صفحات التاريخ تظهر أن الأوربيين والعرب والفرس والترك والكثير من الشعوب الأخرى كان لهم (مثلما كان للكورد) إماراتهم التي على أساسها (وبتسخير الدين والقبيلة لخدمة قضاياهم الوطنية) بنوا دولهم القومية المستقلة. غير أن الكورد (ورغم إقامتهم العديد من الإمارات في فترات مختلفة مثل إمارات بوتان وبةهدينان و سؤَران وبابان وئةردلان) لم يتمكنوا للأسف من تأسيس دولتهم القومية المستقلة. ويضع الشاعر يده على ما يعتقد بأنه أحد الأسباب الأساسية لهذا الغبن التاريخي وهو أن المستعمرين وبمعونة عملائهم وأعوانهم (وأغلبهم من القادة العشائريين والدينيين) لم يسمحوا باستمرار تلكم الإمارات أو تطورها الى دول مستقلة، واستخدموا العشيرة والدين سلاحاً فتاكاً ذا حدين لتقوية الحس العشائري والديني على حساب الشعور الوطني والقومي. لقد أحل المستعمرون لأنفسهم ما حرّموه على الكورد لأنهم (جعلوا الدين والعشيرة مطية لخدمة قضاياهم القومية وحملاً ثقيلاً ومصدر أذى للكورد وقضيتهم). وفي الوقت الذي شهد فيه العالم تحول أغلب أمم الأرض الى دول مستقلة ذات سيادة كانت الإمبراطوريتان العثمانية والصفوية  تتلاعبان بمصائر الشعب الكوردي وتتناقلان الهيمنة على الإمارات الكوردية التي كانت تضطر أغلب الأحيان الى الانصياع الى سلاطين هاتين الدولتين وخاصة العثمانية.

ولقد كان من الممارسات التقليدية لسلاطين بني عثمان أنهم وحالما يعتلون عروشهم يقدمون على قتل أخوتهم بدم بارد وإخصاء خدمهم وعبيدهم وسمل أعين شعراء وفناني البلاط والمطربين منهم على وجه خاص لكي يأمنوا جانبهم عندما يدخلون على حريمهم وجواريهم الكثيرات لخدمتهن أو إحياء الحفلات وليالي السمر في أجنحتهن، وهكذا لن يجرؤ أحد على التحدث عن حريم أولئك السلاطين الذين كانوا يعدون أنفسهم ظل الله على الأرض ومالكي مفاتيح الجنة والنار الذين لا يتحدثون مع رعاياهم  إلا بلغة السيف وقطع أعناق من يعارض أو يتململ منهم.

وكانت إمارة بةهدينان الكوردية (وعاصمتها ئاميدي-العمادية) قد تأسست عام 1262 للميلاد وامتدت حدودها الشرقية الى رواندوز والغربية الى جزيرة بوتان والشمالية الى جولة ميرك والجنوبية الى الموصل، وتعاقب على حكمها 37 أميراً وكانت في الجزء الأكبر من عمرها محسوبة على الإمبراطورية العثمانية وأقرب اليها من منافستها الصفوية.

كان حةمك (بطل هذه الملحمة) أحد المغنين والشعراء المشهورين في كوردستان وخصوصاً في منطقة دهوك وما حولها، وكان قد هاجر الى عاصمة إمارة بةهدينان من منطقة جولة ميرك المتاخمة لها بعد أن أخفق في الحصول على مراده في الاقتران من حبيبته الأرمنية (مونيخ)، ولا ينسى المؤلف هنا أن يندد بهذه الحالة غير السوية التي تحرم الإنسان من أبسط حقوقه الطبيعية في الاقتران بمن يحب بسبب العقبات العشائرية والدينية التي شجعتها ثقافة وتقاليد المستعمرين وأعوانهم والتي كانت وما زالت سبباً في هجرة الكثيرين من شبابنا وإقدام العديد من الفتية والفتيات على إنهاء حياتهم بأيديهم خلاصاً من هذا العبء الثقيل الذي يجثم على الصدور.

وهكذا هجر حةمك أرضه وقصد ئاميدي عام 1580 في زمن الأمير قوباد بك الثاني. فأصبح  شاعراً وملحناً ومغنياً في بلاط الأمير، ليقود ركب  تجديد وإغناء الغناء الفلكلوري الكوردي في عصره، إذ يعتقد المؤلف بأن قسماً لا يستهان به من الفولكلور الغنائي الكوردي الذي وصل الينا إنما يعود الفضل فيه الى هذا الأستاذ القدير، لكن الفقر وانتشار الأمية وغياب وسائل التسجيل والتدوين والتصوير وظلم الأمراء وأعوانهم والتأثير الكبير للفكر الديني والعشائري الذي التصق بعقولنا كالصمغ الكثيف وملأ رؤوسنا حتى لم يترك فيها فسحةً للمشاعر الوطنية والإنسانية، كل ذلك أدى الى عدم فهم مثل هؤلاء الفنانين والمثقفين من قبل معاصريهم بل وامتداد قلة الفهم والاستخفاف بهم الى يومنا هذا. لقد كانوا عشاقاً حقيقيين وصادقين إذ يندر حتى في زمننا هذا أن يتمكن شاعر أو مغنٍ من وصف حبيبته ومحاسنها بالطريقة البسيطة التلقائية التي لجأ إليها حةمك وهو يتغنى بحبيبته الجديدة (سينةم) التي لم تكن غير أخت أمير بةهدينان نفسه:

إذ قامت الصلاة

أبصرت في سة ردة بكى

خالاً على نهدها

يضيء مثل نجم سهيل

تلك سيدتي الفارعة

تلك حبيبة فؤاد حةمك

(سة ردة بكى -منطقة في ئاميدى)

إن هذه الأغنية والعديد من قصائد وأغنيات حةمك تظهر بجلاء أنه لم يكن أعمى حين جاء الى إمارة بهدينان بل حرم من نعمة البصر بأمر من الأمير قوباد بك حين طلبت نساء وجواري قصره أن يدخله إليهن ليغني لهن ويحيى احتفالاتهن وليالي سمرهن. لكن ذلك لم يمنع الشاعر من التغني بحبيبته سینه‌م أخت الأمير، وعندما وصلت الوشايات الى الأمير أمر بإلقاء القبض عليه وإرساله الى سجن قلعة بيسوسى في ئاكرى (عقرة) التي كانت تابعةً لئاميدى حيث تعرّضَ لأنواع العذاب، لكن ذلك لم يفت في عضد العاشق المخلص الذي ظل يتغنى وينشد الأشعار في حب سینه‌م فما كان من الأمير إلا يرسل ثلة من أعوانه ليسوقوه الى جبل ملكى سويارى غرب قرية تعرف ب (شة هى) حيث مفترق طرق كبير ليُقتَلَ هناك ويُدفَن (بناءً على رغبته) على ذلك المفترق. ويتناقل شيوخ وعجائز تلك المنطقة أن حةمك قد أوصى من يمر بقبره ألاّ يقرأ له الفاتحة بل يغني له أية أغنيةٍ وإن لم يكن يحفظ أغنيةً فليترنم قائلاً:

حه‌مك هه‌ی لۆلۆ و حه‌مك هه‌ی لێ‌ لێ‌

(هه‌ی لۆلۆ و هه‌ی لێ‌ لێ‌ نوع من اللازمة الغنائية في الفولكلور الكوردي)

ويذكر المؤلف أن قبر العاشق القتيل ما زال في مكانه هناك حيث يحظى بتقدير واحترام الأهالي الذين يعدونه قبراً مباركاً لقتيلٍ مظلوم، ويشير الى أنه ومن خلال متابعته للكثير من المصادر وسؤاله للعديد من أصحاب العلاقة استطاع أن يتحقق من وقوع هذه الأحداث عام 1580مؤكداً أن إحياء هذه الملحمة وغيرها من الوقائع والآثار الفنية والأدبية المخبوءة التي يزخر بها التاريخ الكوردي هي من المسؤوليات الوطنية والإنسانية للمثقف والأديب الكوردي المعاصر الذي يراه الكاتب مقصراً للأسف في بلوغ مستوى يؤهله لإعطائها ما تستحق من اهتمام.

إن هذا الشاعر والفنان الكبير واحد من أولئك المبدعين الذين سبقوا زمانهم فلم يفهمهم معاصروهم. ورغم أن مجتمعنا هو الآخر لم يصل الى مرحلة يتفهم فيها الحب أو يفهمه بشكل صحيح فإن المؤلف يعلن بوضوح بأنه مع الرأي القائل (أكتب وقل وافعل ما تراه صحيحاً حتى إذا لم يأت من يفهمك وينظر اليك ويسمعك إلا بعد مئات السنين).

لقد حيك (وقيل) عن سینه‌م عدد لا يحصى من القصائد والأغنيات، غير أن القسم الأعظم منها قد ضاع أو طواه النسيان والكثير مما بقي منها قد تعرض للتشويه والتلف، لكن هذا القليل المتبقي يستحق الجمع والتحقيق وغسل تراكمات الماضي وهو الأمر الذي اجتهد فيه المؤلف ليقدم لهذا الجيل والأجيال القادمة هذه الملحمة الزاخرة بالحب الصادق لتقف الى جانب شقيقاتها من الملاحم الكوردية مثل (مه‌م وزین و وه‌لی وشه‌م و سه‌نعانی وسه‌رته‌م).

يضم الكتاب بين دفتيه 316 مقطوعة سباعية الأبيات تنتهي كلها بهذين البيتين:

بیه‌ ئاوازا ده‌ف و بلیلی (قد صار لحنا يجري على النايات والدفوف)

حه‌مك هه‌ی لۆلۆ وحه‌مك هه‌ی لێ‌لێ‌…

تتناول كل مقطوعة صورة شعرية أو موضوعة مستقلة تدور حول قصة هذين العاشقين الشهيرين لكن الشاعر كثيراً ما يخرج عن هذا الإطار ليوظف مقطوعات عديدة لعرض أفكاره وتصوراته التاريخية أو الاجتماعية أو السياسية (وحتى بعض الحقائق العلمية والجغرافية البسيطة التي وجدت طريقها الى هذا العمل!!) وهو يصب فيها انتقاداته على الأوضاع الاجتماعية السائدة وخصوصاً هيمنة الفكر العشائري والتحجر الديني وثقافة ومفاهيم المستعمرين والطغاة وأعوانهم، ويفضح بجرأة وسخرية أليمة الكثير من تلكم الأوضاع الشاذة والمريضة والظالمة.

الكتاب (250 صفحة من القطع الكبير) ضم قسمين أحدهما بالحروف العربية والثاني بالحروف اللاتينية كما تزيّن بالعديد من اللوحات الملونة التي تعكس بعضها جوانب من الفولكلور والتاريخ  والكفاح الكوردي.

يذكر أن الشاعر قادر عبد العزيز رشيد (المعروف بقادر قاجاغ) هو من مواليد عام 1962 منطقة مانكيش التابعة لمحافظة دهوك. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس المحافظة قبل أن يلتحق عام 1980 بصفوف ثورة مايس (گولان) ويتقلد بعدها العديد من المسؤوليات السياسية إضافة الى نشاطاته الأدبية حيث قد أصدر حتى الآن 12 عملاً شعرياً وأدبيا.


جزء من الكتاب: