alwan-selman-rexnegir

  الخطاب الشعري ودلالات الواقع في (كل عام..مع العشب نورق) /  علوان السلمان

العملية الابداعية عملية تفاعلية بين العالم الخارجي(الموضوعي) بطبيعته الكونية ومرحلته التاريخية والعالم الذاتي التمثل بوجود المبدع(المنتج)الفرد..

والكتابة الشعرية اداة تعبيرية وقيمة جمالية وجهد يقتضي التفكير والتامل من اجل استنطاق الاشياء بايجابية ووعي شمولي..كون الفن(التفكير بصور)على حد تعبير بيلنيسكي..لاجتياز مغامرة النص التي يخلقها الشاعر في لحظة امتلاكه الوعي واتقاده الوجداني بتعامله مع موجودات الواقع..

 والشاعرحسن سليفاني في نصه الشعري(كل عام..مع العشب نورق) المنشور في مجلة الكلمة الكوردية/2001 والمترجم للعربية بشاعرية مضافة خلقتها ذهنية المبدع ماجد الحيدرعبر مقاطعها العشرة التي شكل فيها كل مقطع (كيان مكتمل جسده الايجاز والمفارقة روحه) على حد تعبير كولردج..لتحقق الهاجس الشعري..اذ تميزت بتركيز العبارة وايجازها وكثافة معناها جماليا وشعوريا ونفسيا..فضلا عن اشتمالها على المفارقة.. التي استمدت فضاءاتها من الواقع المتخيل وهي تنحو منحى فنيا صوب بنية الايجاز والتركيز مع اقتصاد في الالفاظ بلغة مكتنزة اعتمدت المشهدية الخالقة للصورة الشعرية بوصفها (عملية تركيبية عقلية تنتمي في جوهرها الى عالم الفكرة اكثر من انتمائها الى عالم الواقع..)..لذا فهي تتشكل في فضاء المخيلة فتتجاوز الوجود صوب القيم الجمالية المستترة خلف الالفاظ لتقدم تجربة فنية ومشاهد تكشف عن قيمة تعبيرية وتشكيلية وسيميائية…

            وما زال الحنين..

            يشدني اليك

            وهدير القطارات التي مرت من فوقنا..

            يدوي بسمعي..

            …

            ترى..تلكم الوردة الراجفة

            لما تزل هناك

            ام ان الريح..صفعتها؟

    فالنص فيه تتسع الرؤية البصرية  وتتحول الى رؤية  معرفية وتنفتح على المحتمل..كونها نوع من الصورة ـ الرؤيا..ابتداء من العنوان العتبة النصية الاولى والكينونة الشرطية لكينونة النص ..كونه مكون جوهري وعنصر بنيوي يعطي للنص هويته ويرسم ملامحه من خلال بناءه تخييليا واختزاله لمضمونه واستقطابه لافكاره..فهو العلامة السيميائية والسيميولوجية المنفتح على الفضاء الشعري الذي يحيل على رؤية بصرية تدفع الى تحقيق وظائفه الايحائية والتاويلية والدلالية والذي يؤطر النص بتقابل ذاتين (انا)و(انت)..

              

              لاتعيدي ذا السؤال..

              خادعني احمر شفاهك

              ام انني كنت اعرف

              بفمك ما قلت لي احبك

              لكن عينيك

              هدتا دنياي

              لكثر ما صرحتا:

              احبك…احبك

              لم اذن اردت لي

              ان لا اعيد عليك:

              احبك..احبك

    فالشاعر يوظف اسلوب الحكي في بناء نصه مضفيا عليه حركة التناقض عبر الحدث لتحقيق اللحظة الدرامية الدينامية التي تكمن في حركية النص وتعدد ابعاده المتمثلة في اللغة التي تركز على الفعل المتوهج ..الناقل للرؤية الشعرية..كونه روح اللغة ونبضها ومكمن حركيتها التي لا تعرف السكون..لذا فهو ينسج تراكيبه اللفظية بانسجام وحالته النفسية واحساسه فيعبر عن افكاره ومعانيه بعاطفة متفجرة..فضلا عن توظيفه الفنون التعبيرية لبناء نصه ليحقق جماليته عبر متخيل شعري..اذ الغوص في ما وراء الذات و(تاسيس الوجود بالكلمات) على حد تعبير مارتن هايدجر..

  فالنص عنده يتسم بالروح الجمالية المحملة بالوجع المتدفق من ثناياه مع حضور مكثف للذات والذات الاخر باعتبارهما المحركان للحدث فضلا عن توظيف الشاعر لبعض التقانات الفنية كالتكرار السمة الاسلوبية التي تسهم في بث الايقاع الداخلي  بين جوانح وفضاءات النص واظهار القيمة الفكرية والدلالة النفسية..اضافة الى ترسيخ الرؤية والكشف عن تجليات الذات الشاعرة..اضافة الى التنقيط  النص الصامت والمكون الفضائي التشكيلي الذي يتنفس ضمن النسق الشعري العام للنص ..كونه تقنية موصلة بين طرفين عبر الجملة الشعريةالمقترنة بضميرالمخاطب(الكاف) الذي يبرز كقيمة حضورية مكثفة اعتمدت التكرار الجملي(احبك..) والذي شكل آلية انفعالية اسهمت في الكشف عما يعتصر الذات نفسيا..

                       وكانت القادمة من ارض فيروز

                       تطلق صوتها

                        كما تشاء:

                       (كتبنا وما كتبنا

                        وياخسارة ما كتبنا

                         كتبنا مية مكتوب

                        ولهلا ما جاوبنا)

                        ونشرت شعرك الساحر

                         في الهواء

                         وهجت فؤادك من جديد

     فالنص تكمن فيه براعة الشاعر من خلال صياغته ومزج الممكنات التصويرية لتشكيل الصور المتآلفة والايقاع المنبعث من بين ثنايا الالفاظ باستنطاق اللغة التي تعلن عن حضورها الصوتي والموسيقي للكشف عن المعنى وتحقيق الصورة بحضور الكلمة الشعرية الفاعلة المؤثرة..فضلا عن اثراء النص دلاليا وتعميقه بالايحاءات التي تتضافر لخلق جمالياته..اضافة الى ذلك فهو يحاول ان يوجد ايقاعه بمنأى عن الوزن والقافية وعبر ايقاع البناء اللغوي الذي يعتمد على تداعي الالفاظ والتكرار والتكثيف والفراغ التنقيطي..لذا فحركية الصورة عنده تتمثل بما تحمله من عينات واقعية..مضافة للحظة الجمالية التي تركز على اخراج النص من ذاتية المبدع الى افق اعادة انتاجه بذهنية مستهلكه..

                       قل لها..

                       لتلك التي شبعت من رؤية الدنيا

                       لكنها لم تعط بغداد

                       حقها من النظر:

                       ذلك الجبل الذي

                       قبل خمس وعشرين

                       توجست من ان تراني فيه

                       وبندقيتي على الاكتاف

                       قد ارتقيناه

                       واوشكنا ان نركز فوق ذراه

                       في احتفالات الورود

                       راية النرجس

                       ونرقص ثملين…بالحرية

    فالشاعر يحتفي بالمكان الحالم(بغداد/باب المعظم/الجبل…) كونه يشكل احد عناصر العلاقات النصية(الزمن/الشخصية/الرؤية..)بانتزاع صوره المكتظة بشخوصه واحداثه وذكرياته حتى انه يتانسن فيشارك الشاعر همه ويكشف عن العلاقة التفاعلية التي تنشأ زمانيا ما بين الذات الشاعرة ومكانها المشخصن على المستوى التصويري التخييلي..عبر الذاكرة التاريخية والمعرفية..كون المكان فضاء شعريا ونفسيا ووجدانيا يعبر عن حالة ترتكز على فعل التذكر واعتماد عنصر الخيال..اذ يخرجه الشاعر من حيزه المغلق الى فضاء لا حدود له.. اما توظيفه للنص الشعبي الفيروزي فقد شكل قيمة فنية مضافة لقيمة النص الشعري..فهو يوظفه كما هو لارتباطه بالذاكرة الجمعية من جهة والاحتفاظ بدلالاته الايحائية وطاقته التعبيرية من جهة اخرى..فضلا عن انه يسهم في تصعيد النص ومنحه صلة الربط بالذاكرة..كونه ظاهرة تسجل ذوبان اللغة المحكية بدلالاتها في ثنايا النص واضفاء التعالق في وحدته..

  وبذلك كان نص الشاعر حسن سليفاني(كل عام..مع العشق نورق) خطاب شعري يعبر عن موقف اجتماعي وانساني حمل دلالات الواقع بكل تناقضاته وافرازاته..باعتماد اسلوب فني في نسج الالفاظ والدلالات التي تحقق التواصل بين منتج ومستهلك..عبر تجربة دالة على الاسترسال في تجريد الذاتية عن هواجسها ومزجها بالموضوع  بشكل متناسق شعريا..