عدالة الکوبرا قصة: صادق هدایات*

ترجمها من الهولندیه: نزار محمد سعید

لطالما سمعت حکایات عن والدي، أجزم بأن أصدقها تلك التي روتها مدرستي. و ها هي الحکایة التي سردتها عنهما لي:
والدي وعمي کانا توأمین یتشابهان تماما، لدرجة من الصعوبة بمکان التمییز بینهما.
أضف إلی ذلك، کان بینهما علاقة روحیة أیضا. هذه العلاقة کانت قویة لدرجة، إن أصیب أحدهما بعارض صحي، لشعر الآخر بنفس العارض في الحال. وکما یقال فإنهما کانا نصفین من تفاحة. عندما حان وقت ذلك، قررا العمل سویة، کانا یومئذ في العشرین من عمرهما. رحلا إلی الهند وشرعا بفتح بقالة، یبیعان بضائع متنوعة، کالحریر مثلا وأقمشة مطرزة بالورد والأزاهیر، الشال، أدوات الحیاکة، سنادین وأشیاء أخری، التي تصنع من الصلصال.
والدي کان یسکن ‘بینارس’ کان یکلف عمي لشراء البضاعة من المدن الأخری.
لذلك کان عمي في أکثر أوقاته خارج المدینة. بعید إنقضاء فترة من الزمن، أحب والدي فتاة إسمها ‘داسي’، کانت راقصة في إحدی المعابد. لم تکن تعمل في المعبد فحسب، بل کانت تعمل فیه کعبدة أیضا. کانت فتاة جمیلة وجذابة، آیة في الجمال، لونها کان کلون الزیتون، وثدیاها تشبهان اللیمون، کانت حور العین بعض الشیء، تعلوهما حاجبین رفیعین جمیلین، یلتقیان ببعضهما عند المنتصف. کانت تضع نقطة حمراءة علی جبهتها.
رغم إنقضاء سنین طویلة، بمقدوري التحدث عن والدتي ‘داسي’ وإعطاء مواصفاتها؛ کانت تلبس فستانا ذهبي اللون من الحریر، تضع علی شعرها إکسسوارا تتدلی منه علی جبهتها زهرة مرصعة براقة.
لم تکن تظهر مفاتنها قط، لاسیما صدرها، کذائلها کانت سوداءة، کأنها ظلام سرمدي، کانت تربطهم وراء رأسها. معصماها کانتا تملآن بالأسوار، وکانت تضع خلخالا في أسفل ساقیها، و في أنفها خزاما دائریا. لها عینان واسعتان ندیتان، أسنانها کانت بیضاء ناصعة، لدرجة توءذي العین حین النظر إلیها ملیا.
کانت تجید الرقص إجادة تامة، علی أنغام السنطور والإیقاع والعود والناي، علی أنغام موسیقی ذات نغمة أحادیة. ثلة من رجال ذي عمائم، کانوا یعزفون علی هذه الآلات، یعزفون موسیقی متمیزة، راقیة مستمدة من أسرار سحریة. موسیقی عشق تتخللها أغنية لحب الوطن. کانت أثناء الرقص تحرك یدیها بحرکات جمیلة معبرة ناطقة، قبالة هیاکل المعبد، وهی تلتوي بجسدها کأوراق الورد، وتهز کتفیها وذراعیها مقبلة تارة و مدبرة تارة أخری. کل حرکة من حرکاتها کانت لها مغزی، کانت تتحدث لغة لیست بلغة الکلمات. یبدو أنه کانت لهذه الأشیاء تأثیر کبیر علی والدي، ولعل حب هذه اللعبة الرمزیة، کان یزداد لدیه یوما بعد آخر. کان عرقها المتصبب یعبق بروائح العطر والبخور، هذه الروائح کانت تثیر شعور المرء، وتمنحه الطمأنینة وراحة البال.
هذه العطور کانت تصنع خصیصا في الهند، تستورد مکوناتها من بلدان بعیدة عن الهند، بلدان غیر معروفة، ذي حضارات عریقة.
إنني متیقن بأن العطور التي کنت أستعملها، هي نفسها، إذ تنبعث منها نفس الروائح.
هذه الأشیاء کلها سویة، أدهشت والدي وأحیت من جدید ذکریاته القدیمة المیتة.
والدي وقع في غرام داسي منذ الوهلة الأولی لروءیتها، أحبها بجنون وأبدی إحترامه لمعتقداتها. بعید فترة من زواجهما حملت داسي، وعزفت عن العمل في المعبد، وبعدة مدة أتیت أنا إلی الدنیا. عاد عمي من سفره، یبدو أن آرائه وأفکاره فیما یتعلق بالنساء وأشیاء أخری کثیرة، کانت متطابقة تماما مع أراء وأفکار والدي.
عمي أحب والدتي التي کانت تشبع حاجاته، دون حدوث أیة مشکلة. لربما کان تشابهه مع والدي من الناحیة الجسدیة، وکذلك من نواحي أخری، سببا في إبعاد الشکوك، وأن لا یعتري سبیله أیة معوقات تذکر.
والدتي قلما کانت تنتبه لهذه الحقیقة، وأخیرا عقدت العزم لئلا تفعل الأشیاء مع الإثنین، وجعلت تتهیأ لعدالة الکوبرا. بهذه الوسیلة أرادت أن تحشر نفسها مع الخالدین.

شرعت هذه العدالة بمهمتها علی الوجه التالي: تقرر حجز کل من والدي وعمي في حجرة واحدة، تشبه حجرات الکنائس، ومن ثم یتم إطلاق کوبرا إلی الحجرة. الشخص الذي تلدغه الکوبرا، سیصرخ بطبیعة الحال، حینها علی الشخص المسوءول عن الثعابین، أن یفتح الباب ویحرر الآخر. وستکون ‘داسي’ من نصیبه.
قبیل إدخاله الحجرة، طلب والدي من ‘داسي’ أن ترقص له قلیلا إن أمکنت. إستجابت السیدة ‘داسي’ لطلبه دون تردد، ورقصت أمامه علی ضوء المشاعل. کانت تتمایل علی أنغام ناي المسوءول عن الثعابین، کانت تهز بجسدها حینا، وتلتوي علی نفسها کالکوبرا حینا آخر.
والدي وعمي وضعا في الحجرة، وبدلا من أن یسمع المتفرجون إطلاق صراخ أو أنین، فإنهم سمعوا أصوات قهقهات.
وما ان إنفتح الباب حتی خرج عمي و نجی بنفسه. وجهه کان ممتقعا مشوها، وکان یبدو علیه من شعره تقادما في العمر.
إستبد به الخوف، علت أصوات صراخ عجولة، أقبلت، ها لقد أقبلت الحیة. إجتازت الکوبرا الباب، کان تخرج صوتا رهیبا، وعیناها تبرقان من شدة الغیض، شکلها کان یثیر القرف، عنقها الطویل، نهایته کان یبدو کما لو أنە ملعقة متورمة. کان لها رأس لا قیمة له.
ذروة الإرتیاب کان حین خرج عمي من الحجرة، کان قد تغییر تماما، لدرجة کان یبدو کهلا فضي اللون. وعلی ضوء الإتفاق المسبق، فقد أصبحت السیدة ‘داسي’ من نصیب عمي. بید أن الشیء المثیر للجدل، انه لم یکن ثمة أدلة قاطعة تثبت، بأن الذي نجا وخرج سالما غانما سیکون عمي. لربما ستکون لهذه الحادثة تأثیر عجیب علی مسیرة حیاتي.
الشخص الذي کان یقهقه والذعر الکبیر لعدالة الکوبرا، ستترك دون أدنی شك آثارا عمیقة علی حیاتي، وسترتبط بطریقة أو أخری بمصیري.

*صادق هدایات
ولد في طهران عام ١٩٠٣، ویعرف ککاتب فارسي من بین کتاب القرن الماضي.
روایته “البوم الأعمی” والتي کانت قصة ‘عدالة الکوبرا’ جزءا منها، تثبت علی أن الکاتب کان یعاني من مرض نفسي. وقد ترجم الکاتب بنفسه روایته هذه إلی اللغة الفرنسیة. وفي عام ١٩٥١وضع بنفسه نهایة لحیاته.


المصدر
Korte verhalen
Uit Afrika, Azie, en Latijn Amerika
Het Wereldvenster, Baarn
NOVIB. S’Gravenhege, NCOS, 1987, Brussel