لئــــلا يجـــــيء العميـــــان / إسماعيل ابراهيم عبد 

/  القسم الاول
تقديم
من أجل النهوض بالعمل البشري , ثقافة ووعياً وتقنيات , يستبصر الكاتب  أنور محمد طاهر قوى المستقبل , بأن يضع أخطاء الماضي والحاضر أمام جيله والأجيال اللاحقة له ولغيره , وضع بين أيدينا مجموعته القصصية المترجمة  ((مقهى العميان)) . وأننا بإزاء وقفة غير عجولة عند بعض قصصها نريد أن نبادر الى شدّ أزر الكاتب في مهمته . في الادب العراقي تجارب عديدة , الكثير منها يتخذ وسائل تقليدية لإثارة قضايا إجتماعية مهمة وعاجلة , أو يومية راسخة , أو تأريخية مترحّلة من الماضي الى الحاضر ..

مثل هذه المحاولات ملأت مجموعة قصص أنور محمد طاهر , مقهى العميان , فعلى الرغم من وسائل السرد التقليدية  , التي لا تميّز بين القصة القصيرة والقصة الطويلة والرواية , على الرغم من ذلك فأن الموضوعات التي تحركت بها , نفسية كانت أم اجتماعية , أخصّ خصوصيات موضوعة القصة القصيرة .. تجربة الكاتب أنور محمد طاهر تعمّدت أن تروي بحرية كافية , حكايات , قصصاً , حكماً , مقولات فلسفية , أفكاراً سياسية , بيُسر وبسهولة بالغة .. ومن بين أهم الموضوعات كانت موضوعات (الوطنية , الطبقية , العدالة) . يُرى فيها جميعاً إثارة جديّة جديدة لقضايا الإنسان منذ فجر وجود الحضارة والخليقة , وحتى هذه اللحظة .   المهم لدينا حقاً هو كيفية التعبير عنها , والى أي مدى سيخدم هذا السرد التغيرَ الإجتماعي المنشود , المقصود. لسوف نباشر عملنا معتمدين آلياتِ فحص , قد لا تكون محايدة , لكنها حتما ستكون مضيئة لبعض الجوانب الإشكالية , الفنية والثقافية , لمجموعة مقهى العميان القصصية للكاتب أنور محمد طاهر. سنتدرج في متابعتنا على الترتيب الآتي:
جاء دلير
هذه هي القصة الأولى من المجموعة. إنها النموذج الأول لمتابعتنا لننظر مفتتح القصة في : [ منذ مدة والخالة خديجة واقفة أمام الشباك وقد وضعت يدها تحت ذقنها تنظر الى الشارع وتتفحص كل شيء يمر أمام عينيها من شعر رأسه الى أخمص قدميه .. عيناها تراقبان الشارع وأُذناها تراقبان الباب . ـ رواية مقهى العميان ص 19 ] في صفحة 22 من القصص ذاتها يرد : [ كان مدخل بيت الخالة خديجة كمدخل سوق مفتوح دائماً , يدخل شخص ويخرج خمسة أشخاص . ] كما يرد الآتي في ص 23 من القصص ذاتها : [ كانت الخالة خديجة معروفة لدى جميع أهل المدينة .. وكان صوت نعالها يُسمع في جميع الأزقة ]
تلك النصوص الثلاثة توضح شخصية الخالة خديجة , بينما غاب عن, عدا كونه ذهب ليحارب ! فالخالة هي الإطار الذي يودع بين محدداته جميع شخوص البطولة , أي , الخالة ودلير . هذه النصوص وجميع النصوص الأخرى في قصة ـ جاء دليرـ أيُ وصف لهيأة دلير ثم أن هذه الشخصية المزدوجة تقوم بالروي في عدة مقاطع لاحقة , فنحن إذاً أمام ثلاثة خصائص للشخصية الرئيسة تلك هي / التركيب :
هذه الملفوظة السردية عُنيت بها الخالة خديجة بدقة , فكل شيء يخص (الخالة) هو مهم وأساسي , من , وقوفها , شباكها , ذقنها , نظرها , شارعها , ناسها  وحتى سمعها وبابها وترقبها .   هذا التركيب متحرر من قيود الوصف التقليدية حيث يمر بالصفات الشكلية ليُظهِر الصفات الهيئية , التي هي المباغي للقول القصصي , بل ولإسلوبه الإبلاغي..   يمكن أن نتوسّع في الغور بخصوصيات هذه الهيئات بوضع الإحتمالات على الشكل الآتي:
1ـ الوقوف هو الإنتظار لمجيء دلير أو لسماع خبر عنه .
2ـ الوقوف تسلية معوّضة عن حاجة تبادل الكلام .
3ـ الوقوف حيرة وفقدان القدرة على إنجاز فعل حقيقي يخص عودة الغائب.
4ـ يعبّر الوقوف عن التسلية في أن يكون الإنسان قريباً من وليس بوسطهم فيضيع.  5 ـ قد يكون الوقوف تأملاً وتفكيراً بوسيلة لحسم قضية دلير , أهو  غائب فقط أم هو مائت ولا فائدة من إنتظار العودة .
من المعلوم أن الوقوف أمام شباك يطل على شارع سيجعل الجسد البشري في حالة تحفز نفسي وحركي كحالات التململ والضجر والتدخل بشؤون الآخرين هذه أوصاف كلها متحررة من تقانات النسج السردي نحو المضمر النفسي والجسدي.. كما أنها سكونية مراقبة تؤدي الى سكونية المظهر الخارجي لذا لم يبينْ القاص , أهي طويلة أم قصيرة , بدينة أم نحيفة , بيضاء الوجه أم سمراء ..  ما مرّ يجعلنا نرى أن القاص تعمّد أن يقحمنا بتقديم شخصية عميقة شبه مثالية ليصوغ أهم خصوصية للمرأة صاحبة القضية رمزاً لجميع النساء , وأن الخالة مثال معتنى به للمرأة الكوردية بصفاتها المركَّبَةِ , مثلما جميع نساء البلاد . الحركة : المقطع الثاني والثالث فيهما تغيّر قليل , من سكونية الوقوف الى حركية المشاركة الجماعية … الحركة التي هي خليط الحدث مع التنقل بالحالات , هذه الحركة يشوبها القلق والإحباط , من الجانب الذاتي , معبرّا عن ذلك بالروي ذي السخرية المَرِحَة .   ان الإنتقال بالخالة من حالة الترقب عند شباك البيت , الى الحركة بإزاء الجماعة (مدخل البيت كمدخل السوق) , ثم أن (صوت نعلها يُسمع في المدينة كلها) , الخصيصتان هما مدّخل لا يتراجع عن الحيوية بأشكالها المتعددة مثل / حيوية الجسد وتنقله في المدينة  .
ـ حركة أجزاء الجسم كحركة العين والأقدام .
ـ حالات النفس في الإنتقال من البيت الى السوق .
ـ حركة الآخرين بإزاء الخالة .
ـ حركة الرحلة داخل محاور القص , من أن توصف الخالة , الى أن تروي الخالة ما تحتويه عقلية ووجدان الآخرين .
سيتضح ـ عند متابعة المشاهد اللاحقة ـ أن الخالة كيان إجتماعي ونفسي وعقلي , فيها من الإتزان والتضحية بما يجعلها ضميراً جمعياً للطبيعة والطيبة والفطرية والأصالة , لثراء الضمير الشعبي.
يمكنني أن أصف الحركة الشخصية للخالة خديجة بالآتي:
1ـ أنها تتحرك في القص من المفتتح حتى المنتهى بكونها وضع لهيئات متعددة .
2ـ المضمر النفسي لها يضع حركة البطولة بموقع الفعل الإنساني الأسمى , في الصبر والأمل وحب الآخرين , بالدرجة ذاتها  التي تحب بها (وَعْدَ) عودة دلير .
3ـ تظهر حركتها بصورة صوت خارجي (إنتقال) وصوت داخلي (تغيّر) حكائي لمناشدة الناس , أو العتب عليهم , لكونهم لم يؤتوا بخبر يقول : جاء دلير .
4ـ في الحركة السردية يمتد الزمن بين الإسترجاع (من الماضي) نحو التأمل (في الحاضر) الى الإستبصار (خلود الشهداء) 5ـ التوجّه الحدثي (عن طريق الخالة خديجة) هو توجه من هامشية الإسهام الأفقية (الوصف) الى عمودية الصوغ (المشاركة) في صنع الأحداث .
الروي :
ليس هنا من وسائل سردية تجدد اللغة أو تخرق طبيعة الأدوات المباشرة لنقل الأحداث , لكن فاعلية الروي تتأتى من جدية وجديدية فعل قول الرؤى ((المبثوث في جسد المشاهد)) .
هذه الجدية تخلط المأساة بالملهاة مثلما في المتجهات الآتية / الوقوف عند الشباك / يخالف / التوجه نحو السوق .
مدخل البيت الذي يشبه مدخل السوق / يخالف / البحث في أخبار الشهداء . المدخل السوقي / يخالف / فكرة البيوت المفتوحة ليل نهار .
بيت الخالة الشبيه بالسوق / يخالف / فكرة دعارة الإنفتاح .
صوت نعل الخالة المسموع في المدينة / يخالف / قول الوقار للخالة ..
تصاغ على هذا النمط من مصاغات المروية عديد من المواقف , ستبين لنا في المشاهد المقبلة مثلما في / [يأتي شخص ملفوف العمامة .. عبرَ الشارع بأربع خطوات . ـ من هو .. هل أعرفه أم لا ؟.. إقترب  .. طرق الباب ثم فتحه .. دخل الغرفة وكأنه يحمل بشرى سارّة .
ـ خيراً ؟
ـ إنه خير . ـ أين دلير ؟  ـ سيأتي دلير .. سيأتي , كيف لم يصل حتى الآن ؟ ظننتُ أنه قد وصل قبلي.
ـ بالله عليك .. هل هو حي لم يمت؟
ـ تجولتُ مع دلير كثيراً في مدينة ((ك)) تجولنا في جميع الشوارع والأزقة , وتناولنا غداءنا معاً .
ـ ماذا أكل دلير؟
ـ تمن ومرق .
ـ إنه يؤذي معدته , كيف أكله ؟
ـ لا أتذكر جيدا ماذا أكل .
***  خطف التفكير الخالة ((خديجة)) وهي تمسح الدموع بإزارها .. ولدي دلير .. حزامك الذي توجد فيه الوردة الكبيرة هو الذي يتلاءم مع لون ملابسك.  ـ لا تلف عمامتك هكذا , أسرع وإلتحق برفاقك قبل أن يتركوك .
الذئب يأكل الغنم عندما يتشتت أفرادها , ويرتبك الراعي .. تكاتفوا…  مسكينة أنتِ يا أم دلير كان لك هذا الإبن الوحيد وقد أرسلته ليواجه الرياح والعواصف. سوف أقول في المجتمعات أن ((ولدي دلير)) شجاع وأفتخر به. ـ كفى يا خالة خديجة , لقد أضنيتِ نفسكِ جرّاء البكاء إنه حي , لقد قال ولدي أنه شاهده سليماً كفأس (الملّة) . وأنهما تجوّلا في أزقة وشوارع مدينة((ل)) الى
أن شلّت أرجلهما . ـ فدتكَ أُمكَ , عشتَ رجلاً .. لقد أُصيب إبني دلير ولا يستطيع أن يأتي .. تعال يا ولدي كي أُقبلكَ كثيرا..  سوف أستقبله في مدخل البيت وأضع رأسه في حضني لكي يرتاح  فهو تعبَ كثيراً جرّاء سفره الطويل ..  صوت الباب وهو يُفتح أعاد الخالة الى وعيها. ـ كفى .. لا تبكي .. فقد عذَّبتِ نفسكِ وعذبتنا معك . ألم يمت أحد ؟  ألا يُقتل أحد؟ ـ كلا .. ماذا يهمَّكم .. ليس له أحد وليس له أب .. ماذا تخسرون أنتم؟
ـ رواية مقهى العميان , ص 19 , ص 20, ص 21 ] المواقف المنوّه عنها سابقاَ .. التي يحملها المقطع هنا , تتفاوت فيها حاملات الدلالات الموضوعية , وتتدرج نحو البؤر على المراحل الديناميكية الآتية:
* مجيء شخص وعبوره الشارع .
* دخول الشخص الى البيت وكأنه يحمل البشارة .
* حدوث المحادثة التي تحتوي خبرا , غير مؤكد , عن دلير , مفاد الخبر : دلير لم يمت . * تستعيد الخالة خديجة ذكرى دلير حينما حدّثته عن الإلتحاق بالمقاومة مع أصدقائه الشباب .
* ندم الخالة وإضطرابها , كنتيجة للموقف السابق .
* إفتخار الخالة بحكاية إبنها دلير  الشجاع .
* بكاء الخالة المستمر , وتطييب خاطرها من أحد آباء شباب المقاومة , فإبنه تجوّل ـ بزعمه ـ مع دلير في مدينة (ل) .
* الخالة تروي خبراً عن دلير كونه جريحاً ولا يستطيع المجيء الى البيت.
* مجيء شخص جديد يخرج الخالة من ذهولها .
* بوح الخالة بعتب على عدم رعاية أبنها من أهل المدينة حين مات أبوه.
* تقريعها للناس لكونهم لم يخسروا إبناً لهم كما خسرت هي.
تلك حالات عشر تمثل مواقف / لعشر رؤى / يمكن مقابلتها بمضامير التغيّر الدرامي على التواجه الآتي :
1ـ مجيء الشخص / توازيه / حالة الخالة الذاهلة.
2ـ دخول شخص البشارة / يوازيه / إستنكار الخالة وعدم معرفتها أياه.
3ـ حدوث المجادلة / يتوقف عليها / شك الخالة .لئلا يجيء العميان
4ـ تذكر الخالة ليوم الإلتحاق بالمقاومة / يخالفها في الروي/عدم وجود سند مادي يؤكد الذكرى .
5ـ ندم الخالة / يفيض عنه / بكاؤها المر .
6ـ حكي (روي) الخالة / يُعَوّض به / محور الحضور السردي لدلير.
7ـ بكاء الخالة وتطييب خاطرها / يرافقه / شكوك في إسم المدينة هل هي (ك) او (ل).
8ـ إصابة دلير بجرح / يوسّع المعرفة / بوجود أحداث جديدة مختزنة بوجدان الخالة.
9ـ عودة وعي الخالة خديجة / يتطوّر الى حالة / مشاركتها بالألم من شخص جديد.
10ـ عتب ولوم الخالة خديجة / يختتم / الحكاية البؤرية لإختفاء دلير.


/  القسم الثاني
تلك المتناوبات أفضين بالأسرار المتسلسلة ـ بحسب نويّة التتالي ـ على وفق الآتي:
1ـ سر الحالة الأولى هو عدم التسمية .
2ـ سر الحالة الثانية هو عدم التصديق .
3ـ سر الحالة الثالثة هو عدم معرفة الشخص لدلير .
4ـ سر الحالة الرابعة هو إتجاه السر لتأكيد حالة الخالة لا حالة دلير.
5ـ سر الحالة الخامسة هو تزعزع الثقة بالدافع الوطني المؤدي الى الموت.
6ـ سر الحالة السادسة هو الثرثرة كعلاج نفسي للعوز الوجداني.
7ـ سر الحالة السابعة هو عدم وجود مدينة لا بإسم (ك) ولا بإسم (ل).
8ـ سر الحالة الثامنة هو إمتناع الخالة عن البوح بأخبار جديدة عن دلير.
9ـ سر الحالة التاسعة هو تحوّل الخالة خديجة شخصية عامّة , أُماً لجميع المفقودين.
10ـ سر الحالة العاشرة هو أن قضية دلير واضحة تماما ومفتوحة على توقعات المستقبل بالسلب والإيجاب .
تلك الأسرار العشرة هي المكونات الحقيقية للرؤية.
(المواقف)
وحين ندخل في صلب الأسرار هذه سنصل الى السر الكبير , الرؤية الشاملة , التي أطرافها (الوطنية , الطبقية , العدالة) . هذا سيتصل  بإكتمال عمل القراءة القصصية .  لنتفحص الشخصية الأساسية الثانية ((دلير)) , حيث أن:
1ـ دلالة التسمية : دلير في اللغة الكوردية , بالمعنى الحرفي , هو , الفارس , الشجاع , الممشوق , الجريء , الجسور , الحامي , الغيور , المهاب , المفتخر به , الأسد . هذه المعاني الحرفية هي عينها الدلالات التي إحتوتها (ثقافة القص).  2ـ دلالة العنوان : العنوان , جاء دلير , وهو جملة فعلية تحتوي لعباً كثيرة منها/ ـ جاء دلير = المجيء في الماضي , الذي محاه الحاضر بعدم مجيء دلير .
ـ أجاء دلير ؟ = جملة إستفهام وإيهام . أحقاً سيجيء دلير ؟! = جملة إستفهام تعجبية . أيجيء دلير ؟ = جملة تعني لن يجيء دلير . ـ لن يجيء دلير = جملة تعضد المحتوى بيأس حزين . قد يجيء دلير = جملة تحقيق مضلل .
يمكننا أن نمدد بإضافات أخرى , دلالات الجملة العنوان حتى الوصول الى قناعة أساسية هي ((أن العنوان نص يضاهي مشهداً كاملاً)) مظللاّ بضلالة الفهم التقليدي , الذي هو ((الفعل الماضي يدل على حدث حصل وإنتهى قبل بدء خبر القول)). 3ـ دلالة الغياب والحضور : قد يكون للغياب دلالة إستحضار وإبصار حكيم ونبوءة صادمة , وتلك القيم لها فعل تأويلي يسارع الى التداول المتجدد .
المشهد القصصي المتقدم يُبنى مظهره النصي على أساس أن الغياب غياب جسدي وزمني , فدلير لم يكن وجوده وجوداً جسدياً البتّة , لم يحضر نشاطاً , ولا نقاشاً , ولم يُرَ في أي مكان حقيقي . إما الجانب الآخر فهو الإقصاء الى الماضي كتذكر وذكرى , وهذا تغييب زمني  , عند تعاضده مع التغييب الجسدي سينحال دلير مغيباً دلالياً يخص مضمر تقديري هو / (الفقدان , الإستشهاد , اللاعودة) . 4ـ حكاية الخالة خديجة مع إبنها دلير , حيث تستحضر الخالة في إبنها :
ـ المهمّة الوطنية , حين تحثه على اللحاق برفاقه المقاومين .
ـ الحميمية  والأمومة , حيث تؤزِّره بما يليق به من حزام وعمامة وملابس …  الأبوية , فقد إستذكرت بولدها أباه كجزء من تأصيل المواقف الخلقية , فأبوه ليس موجوداً , وقد يكون شهيدا , ودلير ذهب الى الحرب ولم يعد , فهو شهيد أيضاً , في أكثر الإحتمالات توقعاً.
* القصة التي عنوانها جاء دلير تعطي إشارة قاطعة عن عدم مجيء دلير , وبالتالي فأن الجملة حكم مطلق بعدم المجيء في المستقبل .
* أن الناس والخالة ليسوا على وئام تام , فهي تحكي وتبكي وتتذكر , شجاعة وفروسية دلير , وهم يحاولون جعلها تنسى , لا أن يتذكروا دلير مثلها , بفخر وإعتداد , به وبأبيه .
* أن المرأة الطيبة هي أخت لأُمهات الجميع (خالة) , أو هي الأُم الجبّارة , أُم البشرية !
* التضحية قد لا تكون محسوبة ما يجعل أثرها كبيراً وعميقاً لا يتحمّله كاهل واحد , ككاهل الأُم أو الخالة (خديجة) ! * الفقراء أكثر البشر محبة وتحضراً وإنسجاماً مع الآخرين .
* المضحون لهم الحق بالعيش بسلام وأمن , ويحفظوا أولادهم من سوءات الأزمان القاهرة .
* وللبوح في هذه القصة إشارة (شيفرة) فنية كذلك بالدرجة الأولى , وما تزال تحمل حيويتها بذاتها , تلك هي (( البهجة السردية في السخرية السوداء)).
إنها شيفرة رمزية , فنّية , ثقافية , تخص المؤلف حصراً .
بقي للقارئ أن يتأمل , بلا توجيه نقدي الآتي:
ـ لن يأتي دلير .
ـ صوت يأتي من بعيد يمزّق ستارة منتصف الليل ويردد :
ـ لن يأتي دلير .. لن يأتي دلير ..
وكان الصدى يملأ شوارع وأزقة المدينة .
ـ لن يأتي دلير .
من قصة جاء دلير , ص 24 ]
ديمو
الدرس .. أي درس هو إحتكام لظروف والنفاذ منها الى غيرها , تخالفها في العناصر وتتجاوزها في الزمن, تتعالى عليها بالفعل ..
الدرس في (ديمو) درس في عناصر تجاوزت ذاتها نحو موضوعها … كيف؟ لننظر : [ كلب القرية كان إسمه ديمو , وأطفال القرية وشيوخها يعرفونه جيداً , ويذكرون الكثير من الحكايات والأحداث عنه , والكثير منهم لديه ذكريات طفولة معه . أهل القرية يشهدون أنه عندما كانت الضواري تدخل القرية وتحاول الإقتراب من حظائر الأغنام..فإنهم يذكرون الكلب ديمو مثالاً . ـ قصص مقهى العميان , ص25] في المشهد أعلاه لا توجد حركة ولا أفعال مهمة , إنما هناك حكي وأحداث مخمّنة  , منها:
ذكريات الطفولة : ففي القرية ينمو الطفل ويكبر , وفي كل مرحلة يصاحب كلباً , ولأن الكلب هنا (واحد = ديمو) لذا فأن ذكريات الطفولة , بدءاً من سن الثالثة (سن إكتساب الصفات الشخصية ـ بحسب فرويد) يقوم الأطفال بمصاحبة ديمو .. بهذا يمكن تقدير سلوك ديمو , كاللعب مع الأطفال من دون أن يؤذيهم , ثم مساعدتهم في اللعب وجلب الحاجات لهم … وربما يركبون فوقه من دون أن يعوي أو يعظ .. بمثل هذا يصير ديمو الراعي , والحامي والأب الصابر للأطفال. إما التقدير الثاني فهو , أن , ديمو , صاحب جميع الأجيال , من بدء طفولتهم حتى نضج فحولتهم , أو نضج إنوثة نسائهم .. بهذه الهيأة سيكون ديمو فرحاً دائماً عند الجميع , فهو السلام والأمن والبراءة والحماية . لعل التقدير الثالث هو ما سرده مباشرة , كاتب القصة , حين صاغ من ديمو بطلاً للرحيل (الحيوا ـ بيئي) , ديمو الوحيد من تحدى الموت على أن يهجر دارته الأولى (القرية) .
يُبان من هذا أن ديمو ليس كلباً فحسب إنما هو (هوية) . . كيف ؟
ـ  كلما دنا زائر من القرية  يهش عليه ديمو ويهر . ـ كل من ضل طريقه يدنو منه ديمو ويوصله الى مقصده .
ـ كلما هجمت النمور على حيوانات القرية صدّها ديمو .
ـ ما أن تجيء الشرطة حتى يحيط بهم ديمو ليخفف من غلواء ظلمهم .
ـ بزيارة المسؤول الى المختار كان ديمو من يقوم بإستقباله .
ـ حتى حين يرحل أهل القرية يحاول ديمو قطع الطريق عليه كي لا يهاجر .
ـ حين تنعقد مجالس الدواوين فديمو مدار الحكايات فيها …
. كل الأساطير لها بطل واحد هو ديمو . ـ صنائع الوفاء كلها من فعل ديمو .
ـ الطبقات في القرية جميعها برعاية وصيانة ديمو , يخدمها وتخدمه .


/  القسم الثالث
إذا ماذا تبقّى من محتوى لكي يصير ديمو هوية مكان ، ثم أن الترابط الإجتماعي المتوحّد بديمو ألا يعني وحدة الثقافة العامة لمجتمع القرية!..
كما أن خصوصية هذا الكائن وعلاقته بالأرض والناس والعدل والصبر هي صفات أُخرى تجعل منه صُلباً لإنتماء , زماني مكاني , منطقي مجتمعي .
بذا تكتمل جوانب الهوية بإسم وشكل وسلوك ديمو . + لننظر من زاوية أخرى : [ كان الأب والإبن يُرقع أحدهما للآخر , وهما يسردان كيف قادا قطيع كلاب القرية ليهجموا على النمر , كان (عه لوي زه لي) يخالف إبنه في أمر واحد فقط , وذلك عندما  كان إبنه يقسم بالسماوات والأرضين , إنهما كانا نمرين وليس نمراً واحداً .  كان أبوه يقول : . بني عذاب القبر شديد ولا يمكنني التأكيد أنهما كانا نمرين .
إذا تطلّع أحدهم في وجه الأب , كان يسارع بالقول ـ يا بني إنها الشيخوخة وويلاتها , وبرغم أني لم أعد أملك قوة البصر والملاحظة كما في السابق , لكنني متأكد أن النمر الذي شاهدته أبقع واضح المعالم  .قصص مقهى العميان , ص26]
في سردية القص تتناوب ـ منطقياً ـ متجهتان , الاولى تهدي الى يقينية الأحداث والثانية تؤشر شكوكية الأحداث , وما بينهما تتأكد قيمة التناص مع فلسفة (الشك يوصل الى اليقين) , والفلسفة هذه عمل منتقل من العلوم المعرفية الصرف الى الأدب ..
غالباً ما تتعامد الإنثروبولوجيا مع العناصر الروائية لتأثيث فناء (البيت السردي) الموجّه آيدلوجيا نحو قيم جماعية , ولو أن السارد والمسرود هما طرف واحد يحركه السارد العليم.
الثنائية الكانتيّة (الشك واليقين) يتحملها المشهد بالتناسق (الترقيع) الذي يخيط نسيج الحكاية , يُعيد لها البهجة السردية , بفهم إيتالو كالفينو , بهجة السخرية اللصيقة  بالمحتوى واللفظ .. الأب يخاف جهنم فيجعل النمرين نمراً واحداً لأن الظلام كان دامساً , لكنه يرى ـ وهو الرجل ضعيف النظر ـ النمر أبقع واضح المعالم , وكأن هناك نموراً ليست مبقّعة , بالمقابل من ذلك يصرُّ الإبن على أن النمر نمران , وأن ديمو وحده دافع عن القرية ضد النمرين , من دون بقية الكلاب  , لحماية  أهل القرية وحيواناتهم . كما أن القصة هذه وبداخل الحكاية الكبرى ـ البيئة ـ واحدة من  تخيلات غرائبها , إحتوائها على موجودات حيّة ويومية (الأب , الإبن , قطيع الكلاب , النمر) . من الواضح أن إزدواجية السخرية والتشككية بتكرارهما يصيران تقنية فعل للروي كفعالية تجعلها قصة مقنعة فنيّاً . ولأن عملية الروي في (ديمو) للراوي العليم فسيظل المظهر الخارجي فضاء للحكاية..
أن ذلك يدعو الى القول بأن هيكل القص هو (حكاية + روي + مروي له) , وهو هيكل لخليط لغوي للسرد الأُفقي مع لغة السرد شبه الإيقاعي , لأن التناغم كما يقوله النص ـ ترقيع ـ (كان الأب والإبن يرقّع أحدهما للآخر وهما يسردان) , وبطبيعة الترقيع أن يحتوي تناوبا , ولأن التناوب هذا سردي , والسارد عليم وبلغة توقيعية , فسيكون الإيقاع الصوتي (تقارب أصوات نُسّاج الحدث , الكاتب والأبطال) صوتاً فكرياً واحداً بعدة ألسنة !
والسؤال هنا , هو , ما الهدف من فكرية الصوت الواحد في منسوجة هيكل ثلاثي الأطراف ؟ نرى أن الهدف ناتج أو فيض أداتين هما : ـ النيّة المبطّنة للكاتب في أن يجعل الأبطال رواة , والكاتب مروياً له !
ـ التراكيب الصورية المجسِدة التي تحتج على كينونتها بحركتها .
لتوضيح هذا نقول : أـ يريد الكاتب أن يعطي دوراً خاصاً لنفسه يفوق دور العناصر الفنيّة .
ب ـ يريد المؤلف أن يطرح ذاته نوذجاً قرائياً لامرئياً بوصفه منتجاً مخطِطاً لما يُراد له من قراءة , كأنما هو جمهور من المتلقين . ج ـ ألّا ينحاز الكاتب الى عاطفيته , أو الى العطف الساذج لما يندرج عليه الفعل الفكري السابق على العمل (الآيدلوجيا) .   د ـ أن المركزية واللامركزية في (التأليف) والتنكر (اللاتأليف) , أي , السرد والترقيع , تجعل العمل محض تجاذب قيمي وفني بين قوى الفعل (الأحداث) وقوى التلقي (المؤلف + القرّاء + النقاد + الشغيلة القروية)  . هـ ـ أن الإشادة بالقوى الفطرية (كعناصر للحدث) يحيل مباشرة الى شفافية الحكاية , وكأن الكاتب ـ بتضليل مقصود ـ يريد أن يسوّق(الطيبة والطبيعة والإنتماء الريفي) الى المدينة   المدنيّة !
– لنجتهد في زاوية أخرى تستقيم مع علائم جديدة للقص في (ديمو) :  إتخذ القرويون طريقهم وزحفوا كالنمل وهم يخرجون من القرية .
– لم يبق أحد في القرية سوى ديمو…..
كان ينبح وهو يعدو خلف إحدى العوائل المغادرة حتى تصل الى طرف القرية , ثم ينقلب عائداً وهو يلهث متقطع الأنفاس حتى يصل وسط القرية , ويأبى الذهاب مع أحدهم … كان هذا شغل ديمو حتى أرخى الليل ستارته على القرية …
لم ينقطع نباحه الذي كان يستحيل أنيناً …
بعد عدة أيام عاد بعض القرويين ليتفقدوا خرائب قريتهم , فلربما كانوا قد نسوا صفيحة أو غرضاً ما , لكنهم عثروا على ديمو ممدّداً بجانب حائط وقد فارق   الحياة .
ـ قصص مقهى العميان , ص31 ]
المقطع أعلاه يتيح لنا فرصة أن نتناول القصة من زاوية ثقافية …
فثقافة الصورة وثقافة الحركة مضافاً لهما التخيل , ووسائل الإتصالات الحديثة للعالم الإفتراضي , تحيل الأعمال جميعها الى معارف داخلة في مكوّن القراءة … وليس النص وحده هو الذي يصوغ التأويل , إنما جميع عناصر الإتصال والتواصل والتكوّن المرئي والمسموع , والإنتاج , والأدوات المساعدة , أولئك جميعاً من يُرسي عمليتي الإنتاج والتلقي ..
في الموضوعة المتقدمة توجد دوافع عديدة لترشيح القص أن يكون موضوعاً تواصلياً ثقافياً , منها:
أـ الإتجاه الأول :
1ـ اللغة المبسطة التي لا تغالي في الإنضباط النحوي والبلاغي .
2ـ سرعة الإبلاغات الخبرية المبثوثة فيه . 3ـ القدرة على إجتذاب متعة القراءة لعدد كبير من القرّاء يوسِّمُها القول الآتي لمحمد خضير في كتابه السرد والكتاب ص 106 : ثمة شراكة بين القارئ والكاتب في إقتسام لذة النص .. فكاتب النص يخفي بين جوانحه لذة الولادة العسيرة … فيما يتلذذ القارئ بما وصفه بارت , مسرّات القراءة وتوليد المعاني.
4ـ يعبِّر النص عن ثقافة بيئة خالصة النقاوة يمكنها الإسهام في تبئير (ثقافة مؤسسية , وأخرى شعبية وثالثة مهنية … تتبادل وتستغل الخطاب والعلامات … ذات الخصوصية الثقافية  , مثلما جاء في كتاب فصول في السيميائيات للباحث د.نصر الدين بن غنيسة  , ص 191) .
5ـ قدرة المُنَصص أعلاه على دمج قوى النص بقوى الحركة الإجتماعية  وبمحمولات لغة قابلة للتداول السريع التواصل , ومن ثم التبادل الثقافي المعرفي بين البشر عَبْرَ أدوات التواصل الحديثة (النت) .
ب ـ الإتجاه الثاني:
في متجهنا هذا نربط بين التأويل كحالة فهم لانهائية وبين المكونات العضوية للثقافة الإنسانية , والسرد الفني .  نقرُّ بأن هذا الربط ينتج الآتي:
ـ السرد طاقة برقية للمتعة والمعرفة والتأثر .
ـ القيم الإنسانية تهيء للفن فرصة إبراز عناصر الخير والجودة في المجتمع والكتابة .
ـ الأنسنة تتحقق بمقلوبها أيضاً .. فالكلب ديمو هو وعي بشري يُراد له (من خلال الكلب الفَطِن) أن يصير مثالاً يحتذي به البشر ., وليس العكس , أي أن الحيوان هو الذي يؤنسن الإنسان ويخرجه من وحشيته غير الحضارية .. الحيوان يعلّم الإنسان كيفية الإرتباط بالأرض وعدم تركها حتى لو كان الثمن الموت .
ـ الغواية الحكائية هي غواية في تركيب السرد على وفق العقل القروي من دون اللجوء الى الإفتعال والتضخيم الزائف للأحداث , لأن المآسي الإنسانية موجودة في كل مكان , وفيها من الأحداث ما يشجّع على القول السردي , ومن ثم إيجاد الفن المناسب للحالة الإجتماعية النفسية العامة , أي إيجاد نسق من السلوك الثقافي والدرامي الحاد المواقف ..
أن الدراما التي تفرزها حياتنا اليومية غنية بالمأساة الملهاة , وبالتالي غنية بالقيم والفنون … تحتاج من يعي ذلك فقط .. . الدمج بين الروي القصصي والروي الروائي هو شكل من فن الحكي المترقّي على القصة وعلى الرواية لأجل المسرحة  القصصية , على نحو التمثيل في الهواء الطلق..
يمكننا هنا أن نجترح تسمية (مقامات رؤى القص) كتصنيف لمثل هذه النماذج للأسباب الآتية:
– تعتمد الحكاية الإسطورية الواقعية . – تخلط العناصر الحكائية بالعناصر البيئية .
– تحافظ على نسق التراكم الفلكلوري المجتمعي المحكي , منه وله .
– تعبِّر عن ضيعة الإنسان وسط الزمان الحضاري الهجين .
– تعطي للوعة والإحتجاج والسخرية الفنية طاقة واحدة تتحكم بها البنية الفكرية للقص وليس القصّاص . + تغطي طموحات الطبقات الشعبية الفقيرة , وتمثّل تنفيساً لها عن مظالم الآخرين , ولكن بإستثمار طاقة وصف الأحداث , لفعل التغيير وليس بوساطة الأفعال المباشرة للأحداث !
+ اللغة هي مزيج من طفولة الإستعمال ونحوية التوليد ونغمية الإبلاغ .
* كل هذا يسهم في جعل نماذج قصص مقهى العميان , خاصة قصة (ديمو)(مقامات رؤى للقص) ..  وهذه المقامات لها ما سبقها من تجارب تؤصل لها زمنياً وفنيّاً .
مقهى العميان (اللوحة)
كل لوحة تحتوي على إطار خارجي ووسط (عمق) , ووحدة (فكرة عامة) , ثم هي ذي اللوحات كلها تضيء اللون , حتى لو كان شعاعاً مفرداً لا غير .. فما الذي يضع مقهى العميان بمصاف اللوحة ؟
[ مقهى في وسط المدينة يقصده هؤلاء العميان صُبْحَ مساء … بعد صلاة المغرب يتفرّقون , كل إثنين أو ثلاثة يذهبون نحو جهة معينة , مسجد أو ماخور أو موقف بائعات الهوى الرخيصات .
دونهم تبقى المقهى صامتة كطاحونة توقفت فجأة …
هذه صورة خارجية للمقهى وهي لا تحتاج معرفة كبيرة للإطلاع عليها … نعم هذا كان الشكل الخارجي للمقهى , كمقهى اعتيادي يرتاده بعض العميان لقضاء أوقاتهم ..
ـ قصص مقهى العميان , ص97 , ص98]    ما المسوغات التي تجعل الهيئات الجامدة والمتحركة , البشر والمكان , لوحة ؟ لو فكرنا بأن المقهى مكان فعلي مصمم على طراز بناية لطاحونة , فسنجد هنالك أنوالاً تُدخِل المواد الأولية (الحبوب) وأُخرى تنقلها حيث يتم صنعها طحيناً .. في المحتوى التراثي لنظرة الريف الشعبية , أن أصحاب المطاحن هم أكثر الصناعيين لصوصية .. إذاً هنا .. سيكون العمران إطاراً خارجياً ليس للمقهى بل لمبغى ما وراء وجود المقهى  .. بمعنى  أن هذا الإطار ليس محايداً إنما يتصل بالعمق (مكان التجمّع) . ثم يدخل الى تفاصيل الهدف من التجمع , أي الطحن والإنتاج , وهو ما سيكوّن عمقا متصلا مباشرة بوجود (العميان) ضمن المقهى .
إما الوحدة التي تجعل المقهى , لوحة , فهي الفكرة التي تلتف تحت أغطية لوحة الوجود (غير المرئية) .
هذه الأغطية يمكن تحديد وظيفة كل منها على الوجه الآتي:
أولا / الوظائف :
أـ الجلوس:
المقهى هي مكان الجلوس في جميع بلدان العالم إلّا هذه المقهى فهي مكان ذهني وهي صورة متخيّلة , وأن الجلوس الأعمى يعني جلوس التعوّد والركود والبلادة والتفاهم على الإستحواذ اللاواعي على الأشياء , ممتلكات وبشر . إذاً , الجلوس فكرة , وأنها فكرة من تعوّد على الرفاهية وإطمأنَّ لعدم وجود   المنافس..     الجلوس غاية مظهرية لإخفاء نوايا أُخرى , وهو ما تجود به اللوحات ذات الإجادة الفكرية والفنيًّة .


/  القسم الاخير
ب ـ الحوار:
هو المرحلة الثانية من الفكرة . فلا حوار للواقفين , إنما للواقفين كلام قصير لايجدي نفعاً , ولا يُقارَن مع الجــلوس المُـفَـكِر المتأمِل المريح , الذي يهـيء لذاته مستلزمات ومستمسكات (المشروع ) .
فالحوار إذاً , هنا تحديداً , هو حوار (عُماة) المنفعة , حوار الضمائر المعتمة , حوار الحركة السائبة بلا روادع خُلُقية أو دستورية .. هكذا يتوخى من حوار الجالسين في المقهى (المتخيل) للعميان (قادة رأس المال) .
ج ـ التخطيط:
بماذا ولأي شيء يخطط العُماة ؟ هنا في هذا المقهى يتم توزيع المهمات , والتنسيق بين عناصر حركة السوق , وحركة المجتمع , وإتجاهات الإقتصاد , خاصة أن هذا المقهى قد تخصص بثلاثة أنماط تجارية هي , المساجد وما فيها وعليها من نتائج إقتصادية ورتبية دينية , والمواخير وما فيها وعليها من تغيّر وتحصّل وتعاقدات سياسية , ثم مواقف بائعات الهوى الرخيصات , وهنَّ من الناحية النفسية بمقام الإضطهاد الجنسي , وبالوقت ذاته مكان تفريغ التوتر العصبي والجوع الجسدي للأُنثى . بنظر كاتب (مقهى العميان) أن تلك المهن والقطاعات هامشية ملحقة بحركة المجتمع , وهنَّ فعلاً ليست قطاعات حاسمة في السياسة والإقتصاد .. إنما الوظيفة الأساسية هي التخطيط للإنتاج الواسع الذي يقرره قوّاد الإقتصاد العالمي بإستثمار العميان وناديهم (المقهى)..
ترى ما هو الإنتاج ؟
د ـ الإنتاج:
الإنتاج حصيلة العناصر المتعددة لفنون الإستهلاك السوقي , وفي عموم التأريخ الإقتصادي , هناك أربعة عناصر تمثل حصيلة سبب وتدفق الإنتاج , تلك هي (ريع الأرض , وفائدة رأس المال , وإجور العمل , وربح أو خسارة المنظم) . بالطبع تلك هي كلف الإنتاج كما لو أنه مملوك لإدارة خارجية , وهو ما يحدث في مقهى العميان! ..
العميان هم وسائل الإنتاج , والناس هم قوى الإنتاج , والنتاج المتحقق هو من حصة المدير المنظم الخارجي غير المباشر ! وثانية , ما الإنتاج الحقيقي بحسب قصة أنور محمد طاهر (مقهى العميان) ؟
لننظر الآتي:
(وقليل من الناس يعلمون أن في هذه المقهى تُجرى كُبرى الصفقات التجارية , وتُبرَم العقود لبناء العمارات وبيع العقارات وتوريد الدواء , وحتى الخمور …
كانت البضائع وكل شيء آخر قد يخطر ببالك أو لا يخطر , تباع وتشترى , وتتداولها الأيدي والحسابات وهي ما تزال تمخر البحار والمحيطات ..
ـ قصص مقى العميان , ص98).
من الذي يبيع ومن الذي يشتري , وكيف ؟  لقد لسع الكاتب وعينا بكلمات (تتداولها الأيدي والحسابات) والمعروف أن فكرة التداول هي فائض مفكرة الفلسفة البراجماتية  , المدرسة الوسائلية الأمريكية لبارس ووليم جيمس وجون ديوي , فكأنما يقول أن الذي يباع ويشترى هو كل المسوّق من أمريكا وبوساطتها ووسائطها , الذين ينفّذون إرادة الإقتصاد العالمي الحر , الأمريكي حصراً , بإرادة وحوار وتعاقد (العميان) الذين وقعوا على كنز (القوة) المجرد من صفات الخُلُق ( الصحة , المروءة , الذكاء , الشخصية القيادية) . ترى هل هناك زاوية أخرى كِيدَ لنا بها من قِبَل الكاتب ؟ لعلها مكائد الأسئلة التي تضيء الدرب مثلما في الآتي:
ـ كيف عُرِفَت الصفقات ؟
ـ لماذا ,هنا , في مقهى العميان ؟
ـ ما هي نتائجها ؟ ـ كيف تتشكل المقاومة ضدها ؟ ماهي نتائجها التداولية ؟
لسوف نتوصل الى فهمنا الخاص بحسب التدرج الآتي:
ثانيا / المقاومة:
المقاومة نموذجان , علنية وسريّة .
المقاومة العلنية / تشتمل على الفعل الإعلامي والفضائح . المقاومة العلنية في الإعلام :(نشر أحد الصحافيين الأجانب تقريراً عن المقهى , وكتب بالعنوان العريض : ((هذه المقهى تحكم هذه المدينة)) . وقبل ترجمة هذا التقرير وبعد ترجمته , إعتقد الناس السطحيون أن الأمر مجرد طرفة من مفهوم المخالفة , بقصد الإستهزاء بشعبنا , وإلّا فكيف يقول هذا ما لم يكن غبياً أو ساذجا؟
ـ قصص مقهى العميان , ص98).
الصيغة الإعلامية هنا تتحرك على ثلاثة محاور . المحور الأول هو تقرير لصحافي أجنبي  .
الثاني محور هو الهمس الذي يسبق التقرير .
المحور الثالث هو معتقدات الناس بعد إعلان التقرير ..
وقد أضمر الكاتب شيئين إختباريين هما : مفهوم المخالفة , وغباء وسذاجة من يؤمن بصدق التقرير .  فالمخالفة هي واحدة من فهومات التفكيكية عند ديريدا , والتي لها مهمة تفكيك ونسف المنظومات المستقرّة , وهي هنا , المقهى وصفقاته. إما الغباء والسذاجة فهما محتويان ذهنيان لسلوكية وطبيعة تفكير ((إعلام السلطة)) , وطبيعة تفكير الجهلاء من الناس .. المحتويان يلتقيان ـ على المستوى الإعلامي ـ في كثير من الظروف , لذا يمكن أن نخرج من الإعلام بحصائل علنية مبطَّنة تخص ظاهرة المقاومة الثقافية , حيث أن الغمز النصي يعني أن من يصدّق التقرير هو الذكي فقط !
ـ الفضائح: وهذه مرتبطة بما قبلها , لعل أهمها /الفضيحة الأولى : التقرير نفسه الذي يقرر أن هذه المقهى تحكم هذه المدينة .
الفضيحة الثانية  : أن التقرير أعدّه المولعون بنظرية المؤامرة ـ بحسب إعتقاد بعض الناس ـ بما يعني وجود عناصر المؤامرة في داخل منظومة المقهى . الفضيحة الثالثة : هي ما سينطق به عزير عزيز .
الفضيحة الرابعة : هي قول أحد الشبّان المتخصص بعلم الإقتصاد : عمو عزير .. أن غرض هؤلاء الصحافيين من التقرير .. أن يكشفوا حقيقة أن هؤلاء العميان ليسوا علماء إقتصاد وليست لديهم خبرات .. وبرغم ذلك فأنهم يديرون البلاد إقتصادياً .
ـ الفضيحة الخامسة : قول الشاب نفسه : من يدير الإقتصاد تكون السياسة رهن يديه , لأنه في عالم اليوم , الإقتصاد ورأس المال يسبقان السياسة .
ـ الفضيحة السادسة : الجهل الثقافي عند المثقفين , من هذا قول عزير , رداً على الشاب :  إذهب بعيداً عمو .. فلا تزال صغيراً لا تميز بين عضوكَ والجَزَرة.
المقاومة السريّة / وتتمثّل في تنامي الوعي لدى الناس ومحاولتهم كشف الحقيقة , والدعاء من الله أن يعاقبهم ويفنيهم , ثم محاولة إستدراج العميان الى حلقات الإعلام المتلفز .
يتمثل تنامي الوعي أولاً في هرطقات عزير , ثم تنظيرات الشاب المتخصص بعلم الإقتصاد , ثم يلي ذلك جر ثلاثة من العميان وزجّهم في مناظرة تلفازية للكشف غير المباشر لجهل وتآمر هؤلاء العميان على المال والأهل . في إحدى المرّات وفي لقاء تلفزيوني , جُمِع ثلاثة من هؤلاء العميان , ليتكلّموا عن الوضع الإقتصادي في البلد والخدمة التي قدّموها للإرتقاء بالإقتصاد الوطني وخدمة أهالي المنطقة , حين قال مقدم البرنامج : ـ ما فعلتموه حوّلنا مجتمعاً مستهلكاً , مدخّناً وكسولاً , لا ينتج شيئاً , فقط جيوبكم هي التي إمتلأت . أحد هؤلاء العميان , وضع نظارتيه ومسح عينيه بمنديل ورقي .. عشرات المشاهدين صرخوا : ـ ماذا سيفعل الله بك بعد أن حرمك من نور عينيك . ـ قال آخر : اللهم يعميكَ حتى في الآخرة.
ـ وصرخ آخر : لو أن قنبلة أصابت هذه المقهى ولم تبق فيها حجراً لإسترحنا جميعاً.
ـ قصص مقهى العميان , ص110- المرحلة الأُخرى من الوعي هي السخرية والتهكم.
ـ قال آخر متهكماً : يا لهم من رحماء , كرماء , يساعدون الفقراء والمساكين , لكنهم يفتعلون مئة قضية ليتملّصوا من أية رسوم أو ضرائب  .
ـ قصص مقهى العميان , ص111المرحلة اللاحقة هي الدعاء.
ـ قال آخر : يارب زلزل المقهى تحت أقدامهم , وإجعل عاليهم سافلهم , وإمحُ آثارهم في الأولين والآخرين .     ـ كلهم رددوا : آمين ..
ـ قصص مقهى العميان- ص111.
المرحلة الأخيرة من الوعي هي عدم الرضا عن وسائل المقاومة السلبية , مثلما هو في:
ـ قال أحدهم وكان يجلس في نهاية الديوان , وهو يهز رأسه ضاحكاً , ويمط شفتيه:
نعم لقد أفنيتموهم !!! هيهات !!! هيهات !!! .      ـ قصص مقهى العميان , ص111.
ثالثاً / التداول :
هنا يُستحضر عنصر درامي واحد هو مخمّن الغايات التي هي جوس في تأويل المحكي , والذي قررنا , منذ البدء , بكونه لوحة ، هذا الجوس هو تقديرات هيرمونطقية القول الحدثي والإبلاغي إعتماداً على المحكي السردي . سنحاول إيجاز مخمّنات الغايات التداولية من متصلات الفعل القصصي للمأثور(مقهى العميان).
1ـ المقهى هو مصغّر لجميع مقار البرلمانات في الدول النامية.
2ـ العميان هم روّاد الإدارة في البلدان الفقيرة وغير الديموقراطية.
3ـ الإقتصاد هو عماد الحياة بأشكالها المادية والمعنوية.
4ـ الوعي يتنامى بشكل حتمي , سواء بالتسليط الإعلامي الخارجي , أو برصد أخطاء الحاكين داخلياً .
5ـ جميع أنواع التغيير , وفي بلدان الأرض كافّة , يبدأ بالوعي , لينتهي بالمقاومة , التي يفيض عنها تقويض كامل للبنيات القديمة ، الإجتماعية والسياسية.
6ـ جميع الوسائل الحديثة والقديمة يمكنها أن تسهم في عملية التغيير , وحتى الدعاء ضد المحتكرين .
7ـ الجوانب الفنيّة , اللغة وفقهها , هي ضرورات وعي الكتابة المُقْنِعَة .
8ـ السرد وسيلة فعّالة في إشاعة نوعي التفكر , الإنتفاع بلذة  القص , والإنتفاع بلذة تأثير السرد إجتماعياً .
9ـ التعيين الحسي المباشر يسهم كذلك في ترويج وتداول فهم اللوحة القصصية.
10ـ العمى الثقافي والفني والتقني هم أكثر المتصلات إشكالية نقدية وإبداعية .


نشرت المقالات تباعا في جريدة التاخي.