بنية القصيدة /  د. فيصل صالح القصيري

 فضاء المكان ورؤيا الإنسان  في – قصائد من بلاد النرجس – 

جماليات النص الادبي – ادوات التشكيل وسيمياء التعبير – كتاب نقدي للناقد الدكتور فيصل صالح القصيري ، صادر عن دار الحوار للنشر والتوزيع في اللاذقية

الكتاب يضم بين طياته دراسات نقدية لعدد من الشعراء العرب ودراسات في المسرح ايضا اضافة الى دراستين عن الادب الكردي ايضا ، هما : بنية القصيدة، فضاء المكان ورؤيا الانسان في قصائد من بلاد النرجس ص 56- ص81 وكذلك دراسة ثانية بعنوان : جماليات التعبير القصصي عند القاص حسن سليفاني. الكتاب يتكون من 326 صفحة من الحجم الكبير ومن اصدارات عام 2011 ، نقدم لقراء موقعنا بنية القصيدة فضاء المكان ورؤيا الانسان ، لانها تتناول آراء وانطباعات نقدية لعدد من الشعراء الكرد الذين اختار حسن السليفاني نماذج من قصائدهم في كتابه قصائد من بلاد النرجس

 

مدخل نظري :

شغل مفهوم بنية القصيدة الدرس النقدي الحديث طويلاً في ضوء منجزات المنهجية النقدية الحديثة، لما يتمتع هذا المفهوم به من أهمية وخطورة في إدراك الحدود الأجناسية للشعر وتحليل الخطاب، وأصبح مفهوم بنية القصيدة الشغل الشاغل لكل قارئ وناقد للتجربة الشعرية، ومن دون التوغل في طبيعة هذا المفهوم تبقى الدراسة قاصرة وناقصة .

يشتق مفهوم البنية أساساً من المفهوم العام للبناء، ويعني في هذا الإطار ((البناء أو الطريقة التي يقام بها مبنى ما، ثم امتدّ مفهوم الكلمة ليشمل الأجزاء في مبنى ما من وجهة النظر الفنية المعمارية، وبما يؤدي إليه من جمال تشكيلي))(1)، يندرج في سياق الأعمال ذات الطبيعة الفنية التي يتمظهر الشعر خاصة كأحد أبرز نماذجها .

لذا فإن البنية على هذا الأساس هي الكلّ ((المؤلف من ظواهر متماسكة، يتوقف كل منها على ما عداه، ويتحدد من خلال علاقته بما عداه))(2)، في سياسة تفاعل وتداخل وتمثل لحساسية العلاقات بين الظواهر التي تنتهي من خلال هذا التداخل والتضافر إلى تشكيل المفهوم .

كما أنها توصف في السياق ذاته بأنها ((هي أيضاً القانون الذي يفسّر تكوين الشيء ومقوليته))(3)، بمعنى تجسيد الأساس البنيوي والخطابي للنص الذي تؤلّفه البنية، وهي على صعيد آخر ((مجموع العلاقات المعقودة بكل عنصر داخل النسق، ومجموع هذه العلاقات، هو الذي يسمح بأداء وظيفته اللغوية))(4)، ويسهم في تكوين النص وإنشاء الخطاب على النحو الذي يتبنين فيه النص في تكوينه الخاص من جهة، وفي علاقته بمجتمع التلقي من جهة أخرى.

إن البنية على صعيد تكوين النص الأدبي وتفسير العلاقة بين النص واللغة هي ((القاسم المشترك بين اللغة والنص الأدبي))(5)، ومن خلال ذك يتأسس مفهوم البنية وتتشكل مقوماتها، وتفعل فعلها في حركية الأنساق التي تنمو عبر البنية لتنتقل إلى الخطاب ثم إلى النص .

وإذا كان ((الشعر قبل كلّ شيء تعامل خاص مع اللغة في مفرداتها وتراكيبها))(6)، بحسب ما يقوله الاتجاه البنائي المعاصر في الأدب، فإن مفهوم البنية يتركز في الشعر على نحو كثيف وحيوي وأصيل، على النحو الذي يتوجب عليه البحث في تشكيل البنية الشعرية كمبدأ أساس من مبادئ قراءة النص الشعري وتحليل خطابه وتلقي مقولته .

من هنا يمكن أن نستنتج أن ((البنية إذن بوصفها نظاماً متكاملاً يحترم وسائله وأدواته، هي أساس الإبداع))(7)، وأساس فهم وإدراك العملية الإبداعية عموماً والعملية الشعرية على نحو خاص، والمفتاح الذي لا يمكن تجاوزه في أية قراءة تحليلية أو تأويلية لفضاء النصّي .

ويسهم ذلك أيضاً وعلى نحو عميق وتفصيلي في إدراك خصوصية وطبيعة الخطاب الشعري، إذ ((تؤدي بنية القصيدة دوراً مهماً في جذب المتلقي إلى منطقتها، واختراق طبقاتها الداخلية بحثاً عن سمات التفرد والخصوصية فيها))(8)، على النحو الذي يسمح للمتلقي بالتوغل في تشكيلات البنية المؤلفة للنص الشعري ومعرفة قوة حضورها فيه .

حدود القضايا الفنية والظواهر الموضوعية :

تنتمي النصوص الشعرية التي يضمّها كتاب ((قصائد من بلاد النرجس))(9) إلى فضاء المكان انتماء حميماً ودافئاً وأصيلاً، وتجمع هذه القصائد بين الهمّ القومي بأفقه الإنساني من جهة المتجسّد في رؤيا الإنسان وتجربته، والشرط الجمالي الفني من جهة أخرى .

فهي لا تقع عبر هذا السياق في مطبّات الثرثرة اللفظية السطحية الفارغة، وتنأى عن الهتاف والشعارات والادّعاء، وتلتحق على نحو فني وجمالي بركب الحداثة، من دون أن يعني ذلك الإخلال بقوّة التجربة وسطوعها، بكل ما تنطوي عليه من حرارة ودفق وحساسية.

إننا إذن أمام ركنين أو جانبين في هذه القصائد لا يكاد يطغى أحدهما على الآخر، وفي هذا الصدد يقول الكاتب والشاعر فاضل عمر الذي قدّم لهذه القصائد ما نصّه : ((وبادر بعض الشعراء والكتاب بالتجريب والتجديد وبرزت صيحات فصل الشعر عن السياسة، وإبراز تعريف جديد للالتزام))(10)، بحيث يضع الخطوط المركزية لفضاء هذه القصائد .

من هنا يمكننا القول إن قصائد بلاد النرجس وعت على نحو عميق خطورة أن يتحول الأداء الشعري إلى مجرد هتاف أو صرخة حماسية سرعان ما تظهر ثم تتلاشى، وهو ما يجعلها أقرب إلى الكتابة النثرية والتعبير الإنشائي غير الشعري، حيث تفتقر بنية الكلام في هذه الصورة إلى روح الشعر وحساسيته اللغوية والصورية والإيقاعية العالية والمتفردة .

إذ إن الشعر قبل كلّ شيء هو فن عالي لا تنجح النيّات الطيبة والرغبات الجامحة وحدها في إنجازه وخلقه، فالمشاعر الطيبة والقضية العادلة والروح المتأججة بالمشاعر والحماس الوجداني، ليست كافية أبداً لصوغ بنية القصيدة على نحو فني وجمالي أصيل، بل تحتاج إلى موهبة شعرية وثقافة تشكيلية ورؤية عميقة للإنسان والوجود .

تتميز هذه القصائد عموماً بالكثير من الخصائص والظواهر اللافتة ـ فنياً وأسلوبيا وتعبيرياً ـ، وتثير جملة من القضايا الجوهرية المتعلقة بطبيعة بنية القصيدة الجوهرية المشتغلة في فضاء التجربة الشعرية، وتنهض على الارتفاع بعناصر التعبير الشعري إلى مستويات فنية جيدة .

فعناصر اللغة والصورة والرمز والإيقاع والرؤيا والفضاء والتشكيل والتركيب، تتمظهر في هذه القصائد على نحو عميق وواسع ومتنوع، يكشف عن قيمة فنية وجمالية عالية لها .

على الصعيد الأسلوبي وتشكيل الخطاب الشعري فإن بنية القصيدة تتنوع من حيث الطول والقصر، ومن حيث استخدام الأساليب اللسانية والبلاغية والرمزية كأسلوب الحذف والصمت، وتوظيف التراث واستدعاء الشخصيات التراثية والأسطورية والملحمية، وتوظيف الرموز الشخصية والمحلية والعالمية، والتداخل مع الفنون الأخرى، والتناص، وغيرها مما يعد من أبرز الظواهر الفنية التي تحفل بها القصيدة الجديدة .

ولأن كل قضية من هذه القضايا هي بحاجة إلى معالجة نقدية مستقلة وخاصة وموضوعية، فإننا سنكتفي من خلال هذه القراءة بالإشارة على أكثرها اشتغالاً وتبنيناً وتمظهراً في بنية هذه القصائد ونماذج تشكيلها، وانعكاسها على المقولة المركزية التي تشتغل عليها وتندرج في سياقاتها .

تمثّلات القراءة التطبيقية :

تميل قصائد الشاعر حسن سليفاني إلى تمثيل حالات إنسانية وأخرى وجدانية خاصة، تستمد فضاءاتها من حساسية الواقع المعيش، وتنمو فنياً باتجاه بنية الإيجاز والتركيز.

فعلى الرغم من ثراء قاموسه اللغوي وخصبه إلا أنه يبدو شديد الاقتصاد في اللغة، وحريصاً على انتقاء مفرداته وشحنها بالدلالات الكبيرة والاستعارات الجميلة، ونحت صور جديدة تخالف منطق المألوف والسائد شعرياً، لتنجو نحواً مغايراً في طاقتها التعبيرية .

بمعنى آخر يمكن القول إن لغة الشاعر هي لغة منزاحة قادرة على خلق الدهشة والاستفزاز وإثارة الأسئلة عند المتلقي .

وهذا دليل حيّ على وعي الشاعر بأساليب وتقانات الكتابة الشعرية الجديدة، التي تقتضي نصاً مغايراً ومعانداً وخارجاً من بيت الطاعة، في مواجهة قارئ أو متلقٍ ذكي ومثقف ومسلّح على نحو عميق بالمعرفة الأدبية، ويهمه أن يكون طرفاً فاعلاً في ملء فجوات النص، وقراءة بياضه، وتحليل إشكالياته النصيّة المعقّدة، وإنتاج مقولاته .

لكنّ حرص الشاعر على الاختلاف والمغايرة والتميز والتفرّد لم يكن عائقاً أمام قدرته على التوصيل والتواصل مع الآخر، ونصوصه الشعرية في هذا السياق تصل سريعاً إلى قلب القارئ وهي طافحة بعسل اللغة الأصيل والثري، وحافلة بصور شعرية غضّة وطريفة منتزعة من خصوصية الطبيعة الساحرة التي يعيش الشاعر في كنفها .

يقول الشاعر في قصيدة ((قمر من نرجس)) :

 

أتصدّق أن قاع القمر من نرجس ؟

وأن جدرانه من ندى الجبل

ومفروش بأرائك من بيبون

وعلى بابه حارسٌ بفأسٍ من نحاس

يمنع دخول من لا يتقن لغة الحبّ

بين الناس

وفي إيوانه الشاسع

نساء من عسل

يغازلن أصواتاً

لأناس تأتي من خلف جدران الندى

أتصدق ؟؟؟؟ (11)

 

لا شك في أن القارئ يلحظ حجم الدهشة التي حملتها الجملة الاستفهامية ((أتصدّق ؟))، كما يلحظ أن بنية القصيدة هي بنية دائرية لولبية أقفلت بجملة ((أتصدّق؟؟؟؟)) الاستفهامية، أي أنها اختتمت بما بدأت به في حركة شعرية حملت معها كل خصوصيات التجربة .

إن الشاعر يرسم عالماً متخيلاً (يوتوبيا)، وهذا العالم/الأسطورة، أو الملاذ/الحلم الذي يؤسسه مخيال الشاعر هو ((قمر/ من/ نرجس))، وكم هي جميلة هذه العلاقة الجدلية الرمزية بين القمر والنرجس، إذ من المعلوم أن ((القمر)) هو كائن علوي يشحن الذاكرة والرؤية بفاعلية التخييل والتصوير المنطلق من الأسفل إلى الأعلى، بينما ((النرجس)) هو كائن أرضي ـ طبيعي يستفزّ الذائقة الشعرية الجمالية في ما دون مستوى النظر، وتبرز المفارقة الشعرية في انتساب القمر على النرجس، ويتضاعف إحساس الشاعر بالعلو والرفعة باتساق مفردة ((الجبل)) في الجهاز اللغوي للقصيدة، وهي تموّن أدوات القصيدة وصورها وفضاءاتها بالكثير من المعنى المتلبث فيه .

تتعامد مفردتا ((القمر/الجبل)) مقابل مفردتي ((النرجس/الندى))، وتؤكدان طبيعة القصيدة بَنفَسها المحلي المكاني، وانتماءها إلى عالم الصفاء والنقاء والجمال والرقة والمحبة، وحتى الحماية التي وفرتها مفردة ((جدران)) للقمر هي حماية مجازية وليست حقيقية .

تتدفق لغة القصيدة كالعسل الجبلي لترسم صوراً غاية في الإدهاش نحو ((أرائك من بيبون))، و ((نساء من عسل))، و ((جدران الندى))، على النحو الذي نجح الشاعر في انتقاء المفردات اللغوية العاملة فنياً وجمالياً في الحقل الشعري، التي أنتجت فضاء الحب والتواصل في مملكة القمر بوصفه مكاناً مؤثثاً بالنرجس والندى والبيبون والعسل، وهو يدل على قوّة حضور الأنثى وفاعليتها في تجسيد جمال العالم المنشود بكل ألقه وحيويته وأصالته، على النحو الذي تكتمل فيه الصورة بكامل أجزائها ومفرداتها .

أما قصيدة ((كاروخ)) فهي من نمط قصيدة التوقيعة ذات التركيز الشعري العالي بإيقاعها المأساوي الصاخب :

رعب الليل، حوافر خيل

في ثدي امرأةٍ

لا تعرف طفلتها لغةً

غير الجوع والصراخ ..

كلّ الليل (12)

 

هنا ينقل الشاعر الحالة التراجيدية لأم تتعرّض للانسحاق والقهر والعذاب، عبر لغة شعرية تنطوي على توازن إيقاعي بين وحدتين لغويتين ((رعب الليل/حوافر خيل))، ومن الناحية الظرفية كان ((الليل)) هو الزمن المركزي في القصيدة الذي يقع فيه الحدث، أما المكان المعلّق في الجسد فهو ((ثدي امرأة))، فحرف الجرّ ((في ـــ ثدي امرأة)) يفتح فجوة في المكان/الجسد الذي يعاني الجفاف والحرمان وعدم القدرة على العطاء .

وتبقى رغبة الطفلة في أن يكون ((الثدي)) مانحاً إياها الحليب الذي هي بحاجة إليه مؤجلة، لذا فهي لا تجد طريقة للاحتجاج على الجوع سوى الصراخ بوصفه صوتاً بوسعه أن يوصل رسالة الحرمان والحاجة .

وتأتي قصيدة ((تنزة تحت المطر)) لتؤكد اللغة الصافية الموحية للشاعر، والحساسية الشعرية العالية لمفرداته وصوره ورؤاه، ولعلّ عنوان القصيدة الصوري ـ بوصفه موجّهاً أسلوبياً ودالاً سيميائياً، أو عتبة نصيّة تفضي إلى العالم الجواني للقصيدة في أعمق طبقاتها وأوضح تجلياتها ـ يكشف لنا نزعة رومانسية لعاشق يتّخذ له مكاناً وجدانياً تحت المطر، ذلك المطر الذي يوحي بحالة حب تتنفس فيها الروح والكلمات يعيشها الشاعر في تجربة ثرّة، وتتصدّر مفردة ((تنزة)) الاحتفالية مشهد العنوان تعبيراً عن طقس ابتهاجي أو احتفائي بالحياة والحب والفرح :

كان التنزّه

تحت المطر الناعم

في ذلك العالم البعيد

مهرجاناً ..

الابتسامات تحت ظلّ المطر

كانت أجمل من شذى

زهور آذار

كان لساننا الضحك

الفرح

الحبّ (13)

ولكن الإشكالية الأولى في هذا النص الشعري تثيرها شبه الجملة ((في ذلك العالم البعيد))، وأفعال السرد ((كان/كانت/كان)) تثير إشكالية أخرى، أما الأولى فتعني أن الشاعر قد اختار عالماً بديلاً لعالم الواقع، لذا فإنه بعيد المنال، وقد يكون تعبيراً عن أمنية أو حلم، وبالتالي يكون التنزّه تحت مطر هذا العالم بمثابة حالة أو ومضة عاشها الشاعر في وقت مضى .

أما الثانية فتشير إلى انتهاء الرحلة وولادة الحكاية التي تحيل على زمن ماضٍ وحدث سابق، مازالت رائحته عالقة في الذاكرة، وإذن لقد انطفأ الحلم وتوهمت الذاكرة تلك السيدة التي كانت عروس المهرجان ومصدر فرح الشاعر ورقة مفرداته وشفافية صوره وسمو مشاعره، في هذه التجربة المتوهجة بحرارة الحب وعنفوانه وحيويته :

تلك السيدة التي هزّت

شعرها الغجريّ واجتازتنا

كانت تجيد قوانين العشق

ورقة الشجرة التي داعبت خدّها

خبيرة كانت

أضافت لنفسها رائحة أخرى،

لذا في الربيع الآتي

ستقصدها العصافير

وستجيد لغة أخرى                               (14)

مرة أخرى تبدو لغة الشاعر لغة عاشق لا يجيدها سوى من يدرك قوانين وأسرار لعبة العشق، لذا فإن مفرداته تؤسس عالماً متخيلاً يتسع له ولكل من يجيد قوانين هذه اللعبة

ويدرك قواعدها ويؤمن بقيمتها الحضارية، والشاعر طفل يلهو ويلعب بطين اللغة، يعجنها ويعيد تشكيلها ليقدّم لنا بالتالي الأشكال التي استطاع أن يبدعها، فما الشعر إلا عالم من كلمات، بمعنى آخر هو ((نوع من خلق العالم باللغة))(15) بحسب أدونيس .

وعند الشاعر حسن سليفاني تكاد أن تُختزل اللغة في معجم أثير من الدوال تتردد بين ((الحب)) و ((العشق)) و ((الفرح)) و ((الضحك)) و ((القمر)) و ((الربيع)) و ((المطر)) و ((النرجس)) وغيرها، مما يحيل على فضاء الطبيعة إحالة كثيفة وكلية وشاملة ومصيرية.

وتمثل هذه الدوال المفاتيح السيميائية التي يمكن من خلالها تفكيك الخطاب الشعري عند الشاعر، بكل ما تنطوي عليه من بثّ وإيحاء وعطر يملأ صوره بالدلالة ويشغله بالمعنى .

أما الشاعر خليل دهوكي فإن قصائده تختزن ثيمة الأمل بالتجدد والرفعة والشموخ والربيع والحب والابتسام، وثمة وعد بالدفاع عن الحبيبة الجميلة الثاوية في أعماق الروح وبؤرة التجربة، عبر لغة صافية وموحية ومكتنزة تبرز من خلالها ظاهرتا الإيحاء والإيجاز من جهة، والقدرة على التوصيل والتواصل مع منطقة القراءة من جهة أخرى :

إذا ما تذكرتِ مرّةً

وأردت أن تجددي الآمال

وترفعيها من تحت الأقدام

سأغدو ربيعاً ..

وأبتسم ثانية،

والذي سيمدّ إصبعه نحو قدّك

سأغدو بركاناً

وأحرقه (16)

وعند الشاعر عبد الرحمن مزوري تجد أولاً أن الخطاب الشعري موجّه إلى الأنثى التي أصبحت رمزاً كبيراً :

ئا فيفيان

يا حسناء الزوزان

يا غزالة

يا محبوبة الكلّ

نار عشقك حارقة واحترقنا

أين الماء ؟

أين الماء ؟

أين الماء ؟ (17)

 

إذ نلاحظ بروز ظاهرة التكرار في السطور الثلاثة الأخيرة التي تتضمن الإلحاح الطاغي إلى درجة الصراخ على طلب الماء، لتأكيد الحاجة إلى محو الجدب والعطش والحرمان عبر أسلوب الاستفهام، كما يسهم التكرار أيضاً في خلق الإحساس العالي بالإيقاع .

إن الانفعال الوجداني عند الشاعر جعل موسيقى قصيدته يتحرّك سريعاً ومتدفقاً لتواكب حالة التدفق الشعوري لديه .

ومن الظواهر اللافتة فنياً هي ظاهرة النداء التي تصدّرت المشهد الشعري، وبذلك تحوّل النص إلى خطاب أو رسالة موجّهة إلى مخاطب أو مرسل إليه، وينطوي على شفرة سيميائية معينة .

لا يخلو المقطع بالرغم من قصره من ظاهرة التقابل والتضاد والتوازي، وهي إحدى البنى الأسلوبية المركزية التي تدخل في صلب النسيج الداخلي للقصيدة، فالنار تقابل الماء، ويشكل النقيضان علاقة جدلية تفاعلية ومنتجة فيها كل شيء من التوتر والإثارة والدرامية .

الظاهرة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها في قصيدة ((ئافيفيان)) لعبد الرحمن مزوري هي ظاهرة اشتغال التراث، إذ أفاد من الملحمة الكردية ((مم وزين)) في مقطعها الذي يقول:

هيا اطلبي :

أنحت الجبال

أشرب البحر

أم أوقف العصر

لا مم يتخلى عن زين

ولا أنا أرتوي من عشقك قط (18)

الظاهرة الفنية الأخيرة هي أن بناء القصيدة هو بناء دائري لولبي، حيث إن القصيدة تعود في نهايتها إلى نقطة البداية، وعلى الرغم من اعتراض الشاعرة الرائدة نازك الملائكة على هذه الظاهرة حيث عدّتها ضعفاً لدى الشاعر الذي يستخدمها(19)، إلا أن أكثر من ناقد أشار إلى أن هذه الظاهرة إذا ما أحسن الشاعر استغلالها فإنها تنعكس إيجابياً على الحراك البنيوي الجمالي في القصيدة، وتضاعف من قيمتها التعبيرية والإيقاعية .

بمعنى آخر يمكن القول إن العودة إلى نقطة البداية أو الانطلاق في القصيدة تعزز وتؤكد الجو النفسي للتجربة الشعورية، بعد أن تكون القصيدة قد أسست القناعة لدى القارئ بضرورة استعادة البداية لإعادة قراءة القصيدة من جديد، لتشكيل رؤية أخرى مضافة .

تتأكد القيمة اللونية التشكيلية بمعانيها ودلالاتها وطاقاتها الصورية في قصيدة الشاعر محسن توجان، ويمتزج فيها الضوء باللون ليشكلا لوحة شعرية ذات تشكيل فني متميز، يتمظهر ذلك في قصيدته الموسومة بـ ((لا تأخذيني معك)) على هذا النحو :

أحقاً أن شعرك المحنّى

يسرّح بعطر الشبو

وأزهار الياسمين الشاردة ؟

وبريق عينيك

يستضاء بكحل أميرة الحوريات ؟

لذلك تغدو أمواج عشقك

سرب نوارس

بأجنحتها البيضاء

تشتري أحاسيسي الرقيقة

وأغاني مجانين المدينة

تغدو فراشات ذهبية مضيئة (20)

إذ يبرز الهاجس القلق على مشاعر الشعراء وقصائدهم المهددة بفقدان حريتها، لأن ثمة من يخاف من حركيتها وقدرتها على المجابهة، ويسعى إلى محاصرتها وتفادي خطرها :

ترتسم على وجهك قصة القلق

من كدح يدي هارون

يلقون القبض على مشاعر الشعراء

أية قصيدة حرّة كانت

وسقطت في الشباك

على أصابع فتاة مرحة (21)

ويشتغل عنصر السرد في القصيدة بالاعتماد على الذاكرة واستعادة ماضي الشخصية الشعرية، واستشراف آفاق مستقبلها عبر بوابة رؤيا اليقين التي تستحضر الماضي برفقة الحاضر :

كنت أعلم وأنت صغيرة

لكي تصبحي وردة

على البراعم أن تنمو في صدرك

من العناد تجنّ كلمات

أغاني الحب

لهفي أن أرى اليوم

الذي تموت فيه القصائد

بموازاة خصائل شعرك

تعالي يا سيدتي،

أنا والموت على موعد

ضعي راسك على صدري

فقط بخار ما،

دخان ما

يوحّد الأرض والسماء

يا لهولي وتلك اللحظة

التي يغدو فيها الموت والميلاد

مطراً مدراراً على شفتيك

تذكري

أني في انتظار دين جديد

واسترجاع موسيقى جموع الأطفال (22)

وتظهر نزعة التمرّد في هذه القصيدة، عبر حشد كلمات خارجة على القانون/السلطة المفروضة عليها من الخارج، لذا فهي مسكونة بهواجس العبث والجنون والعناد :

أحقاً

إن شفتيك التي بلون التوت

تقرأ الدعاء ضدّ الشمس ؟

أمواج أضواء سحرية

تفرض الجزية على الكلمات

الخارجة على القانون

تتذكرين …!

قصائدي ما تزال مخضّبة بالتمرّد

لم تعد من نزهة العبث

بلا استئذان

تنمو في مسامات جسدك

المليء بالأسرار

تمرح مع شلالات خيالي

تزرع في نفسي

الأحاسيس العنيدة المتضادة (23)

ويسيطر إحساس حاد وكئيب على مفردات الشاعر وأجواء تجربته في هذه القصيدة، فهو يسمع أغنية الموت الحزينة ويتلقى إيقاعها في جميع الأمكنة التي يرتادها : السهل، الوادي، الشجار، الشوارع، الأزقة، وبهذا الهاجس المرّ الحزين تقفل القصيدة :

إني أسمع

السهل، الوادي، الأشجار، الشوارع، الأزقة

تردد أغنية حزينة

الموت .. الموت .. الموت

لماذا الموت ؟

لمن الموت ؟ (24)

وبالتأكيد نحن نقدّر أن يكون الشاعر حرّاً في رسم نهاية قصيدته واستكمال مقوماتها البنيوية، إذ إنه يعبّر بصدق عن تجربة ما يعيشها هو لا القارئ، وعليه ـ كما يقال ـ فليس للناقد أن يطالب الشاعر بنهاية متفائلة لقصيدته على حسب قراءته المحايدة، والشاعر يشعر بالموت يقترب منه، وبالحزن يحاصره من كلّ جانب، وليس لديه سوى أن يتساءل في زمن أصبح فيه التساؤل فعل وجود وليس مجرد لعبة فنية .

وفي قصيدة ((أسرعي)) للشاعر نفسه يشتغل على توظيف التراث مرة أخرى، تراث ملحمي وأسطوري مأخوذ من بلاد وادي الرافدين، من ملحمة جلجامش ((هو الذي رأى))، هذه الملحمة الرائدة التي حدثت في الألف الثالث قبل الميلاد في أوروك بالعراق .

فالمارد ذو الأقدام الثلاثة في القصيدة هو بالتأكيد وحش أسطوري، وهو إسقاط للماضي على الحاضر، وأما الطريق الطويل المليء بالأحراج والأشواك والنار فهو طريق جلجامش الصعب والشائك .

وهي جميعاً إشارات ما إلى ما في الملحمة، وإفادة من معطياتها، فنحن نعلم أن الأحراج والأشواك والنار إنما هي إحالة على غابة الأرز التي كان يسيطر عليها العرش الأسطوري خمبابا، بوصفه رمزاً للشر والغطرسة، والشاعر يتقمّص شخصية جلجامش ليقول لنا :

أمامي طريق طويل

مليء بالأحراج والأشواك والنار

والمارد ذو الأقدام الثلاثة

قد نصب فيه خيمته

وبخار فمه يقطع الرؤوس

كل خطوة معضلة

مليئة بالإعصار والعاصفة (25)

وعلى الرغم من يأس الإنسان/الشاعر أو الناطق الشعري من العودة من رحلته الصعبة الطويلة بعشبة الخلاص، لكنه لا يمتنع عن الحلم، الحلم بالعودة والتجدد، إذ يقول على سبيل الاستدراك :

لا رجاء في عودتي

لكن لو وعدت

ثقي

بأني سأنتزع من الأفاعي

إكسير جلجامش

وأقدمه هدية لك

لكي نتجدد أنا وأنت

في كلّ ربيع

ونولد من جديد (26)

وفي قصيدة ((مشتاق)) يشدّ الشاعر محسن توجان حنين جارف إلى المكان الأول ((قرية الشاعر))، حيث يوجد ذلك البيت الصغير الذي ولد فيه وترعرع في أحضانه وتفيأ ظلال أشجاره، وزرع في حقوله الأزهار، وهو مشتاق أيضاً لقمة الجبل الذي يحتضن القرية، على نحو يستعيد فيه مجد المكان المشتبك مع حساسية الطبيعة الساحرة .

وتحمل أسئلة الشاعر قلقاً كبيراً على مصير القرية وأشيائها في غيابه، ويعيش صراعاً داخلياً حاداً، فالرغبة القوية بالعودة المصرّح بها تصطدم بالمكون عنه ((المعوقات)) التي تحيل دون إنجازه مبتغاه .

ومن الناحية الفنية ثمة تناص شعري، فقوله :

عاصمتي

حينما أحلّ في قلبك

أضيع في خضمّ عينيك (27)

يتناص مع جملة شعرية شهيرة للشاعر الفرنسي (أراغون)) في قصيدته ((مجنون ألزا)) وهي :

عيناك لشدّة عمقهما

أضعت فيهما ذاكرتي

ومن الطريف والمخالف للمنطق أن الثلج الذي هو أحد عناصر ومظاهر الطبيعة اللافتة للنظر بجماله وارتباطه بقمم الجبال، يفقد في هذه القصيدة الجميل والخاص امتيازه هذا، ويصبح ذا دلالة سلبية، إذ يكون معوّقاً يجب إزاحته ومحوه وإفنائه، وهنا يحصل انزياح (انحراف) في سياق الدلالة، إذ يتمّ كسر أفق توقّع القارئ بتحوّل الثلج إلى عنصر سلبي يشتغل ضد أزهار الشاعر ويفضي إلى موتها بالتضامن مع البرد :

هل أن تلك الأشجار

التي زرعتها بحبّ

هي .. هي ؟

أم أنها أمام البرد

تحت الثلج

قد ذبلت

وانكمشت ؟! (28)

ويعود إلى عتبة العنوان ((مشتاق)) بتكرار جملة واحدة من كلمتين على نحو مقلوب :

مشتاق أنا

أنا مشتاق (29)

ففي الجملة الأولى تمّ ـ نحوياً ـ تقديم الخبر على المبتدأ، وفي الجملة الثانية تخلّى عن هذا الأسلوب، وعاد إلى إنشاء جملة تقليدية من مبتدأ وخبر، وهي لعبة فنية وأسلوبية وتعبيرية جميلة حقاً، إذ هو يقدّم اشتياقه في الجملة الأولى، ثم يعود لتأكيد أناه في الجملة الثانية .

أما قصائد الشاعر مؤيد طيب فهي من نوع البرقيات أو التوقيعات الشعرية، وهي قصائد تعتمد على الإيجاز والتركيز الشديدين، وغالباً ما تنتهي بالضربة الشعرية التي تستفزّ المتلقي وتثيره وتصدمه، وقصيدة ((الصباغ الصغير)) تمثل أنموذجاً واضحاً لذلك :

لا يا ولدي .. لا

لا تفعل ..

لا تفعل

لا ترفع فرشاتك عن الأرض

فالبوسطال الذي في حضنك

ملطّخ بمخّ أبيك

إياك أن تصبغه

إياك ..

إياك (30)

وقصيدته ((عيناك)) فيها الكثير من صور الاستعارة البلاغية، وتذكرنا بأحد شعراء المعلقات وهو الشاعر عنترة العبسي، الذي يعقد صلة بين صورة الحبيبة وصورة المعركة في هذين البيتين:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل منّي وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمـعت كبارق ثغرك المتبـسّم (31)

أما الشاعر مؤيد طيب فإنه يشبّه عيني حبيبته بخندقين، ويجعل من رموشها بنادق مستعرة الفوهات، مجسداً ثنائية الحب والحرب التي تمثل إشكالية شعرية أصيلة لدى أكثر الشعوب وفي مختلف العصور :

حبيبتي

عيناك خندقان

رموشك بنادق مستعرة الفوهات

دعيني أعيش

في خندق عينيك

أيتها الحسناء

مثل (عة مى كوزي)

لا من أجل البطولة وحدها

وإنما من أجل حياة أرقى (31)

في قصيدته ((العشق والنار)) تبرز الحبيبة معادلاً موضوعياً للأرض والوطن، وكثيراً ما يخاطب الشعراء بلادهم أو أرضهم بمفردة ((حبيبتي))، وغالباً ما يمتزج الاثنان ((الحبيبة والأرض)) في سياق رمزي تعبيري واحد في قلب الشاعر وروحه وذاكرته، إلى حدّ التماهي وتبادل الأدوار والصور والأوضاع على النحو الذي يصبحان فيه كياناً شعرياً واحداً. وفي الشعر العربي نجد هذا الاقتران بين الحبيبة والأرض على نحو بارز وواضح عند شعراء المقاومة، ويشيع شيوعاً عميقاً وواسعاً في شعر محمد درويش على سبيل المثال، فهو يقول في إحدى قصائده :

آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

وأنا لست مسافر

إنني العاشق

والأرض الحبيبة (32)

ويقول مؤيد طيب على نحو يقابل فيه قول درويش :

حبيبتي

من وجهك قد علمت

كم هو مشرق موطني (33)

ونجد في قصيدة أخرى بعنوان ((حب)) حقيقةً لا مجازاً مفادها أن حبّ المرأة يعلّم الشاعر أنواعاً أخرى من الحب، قد تكون أكثر قيمة وأهمية وقدسية، ويعلمه الشموخ والرفعة والكبرياء :

أحببت كلّ المدن والقرى

لكن منذ أن أحنيت قامتي لك

وقرأت صفحة حبّك

وهززت شجرة الآمال

لم أنحنِ لأحدْ

وليس بمقدور أحد

أن يجبرني على الانحناء (34)

أما الشاعر رمضان عيسى فيبدو هو الآخر ميّالاً إلى الإيجاز، وحريصاً على إيصال مشاعره المتأججة إلى القارئ، ولكن ذلك كلّه مرتبط ببلاغة الوضوح، وليس الغموض المتعمّد الذي يحوّل القصيدة إلى عالم معتم ومغلق مليء بالألغاز والأحاجي والكلام العسير.

في قصيدته ((لعنات التمرّد)) يطلق هجاءه للمكان/المدينة بوصفه/بوصفها دالاً سيميائياً على التشويه والقهر والكبت، تلك المدينة التي تحولت إلى علامة ضدّ الحرية والإنسان، إذ حولت الإنسان إلى مسخ، لذلك أججت لدى الشاعر كل مشاعر الغضب والتمرّد على الواقع:

اللعنة

على تلك المدينة (العصرية)

التي تكون بيوتها وأزقتها

مدارسها وجوامعها

علامات مسخ للبشرية (35)

وتتأسس قصيدته ((أمنيتان)) على رغبة الناطق الشعري في التحوّل إلى موج يقارع الصخور، ويوفر الحماية اللازمة لقاربه الشعري الجميل، كما تراوده رغبة أخرى هي أن يتحوّل إلى صخرة ينام على صدرها الشهيد بأمان، في تعبير حيّ وجميل عن التناغم الشعري مع مفهوم الشهادة :

ليتني كنت الآن

موجاً من أمواج الزي

كلّ الليل أنطح الصخور

وأكون مع قاربي الجميل

ليتني لم أكن هكذا

أتجرّع السمّ

لتنبع الأحزان (36)

أما قصيدة ((حظ)) التي تألفت من ثلاثة مقاطع تمّ الفصل بينها بطريقة النجوم الثلاثة، فهي في مقاطعها الثلاثة من الناحية البنيوية الموضوعية تبدو بنيتها بنية إخفاق، لأن حظ الشاعر فيها عاثر كما يصف :

عندما قصدت

نبع المراد

لم أقدر أن

أرتشف جرعة منه

إن الحظ لم يحالفني (37)

الشاعر سلمان كوفلي يطرح في قصيدته ((القاضي)) قضية الموت في هذه التجربة الشعرية الأصيلة، بوصفها سعياً حثيثاً نحو المجد والخلود وعلامة سيميائية للصراع من أجل البقاء :

نعم . اليوم

أبعدوا يدك عن يد الحبيبة

أتوا بالحبل.

أتوا بالموت

لكن لم يدركوا

أن الملوك يموتون

أن الأغوات يموتون

والثوار يغدون حمامات تطير

فوق البرج الأبلق (38)

وفي قصيدته الموسومة بـ ((حرام)) ثمة منطق شعري يقود القارئ إلى الاقتناع بفلسفة الشاعر في الحياة والموت والحب، بما تنطوي عليه هذه الفلسفة من عمق حضاري وفكري وإنساني :

الموسيقى حرام

والحياة موسيقى

صوت المرأة حرام

والمرأة سبب وجودنا

ليشمّوا الوردة

والأجمل أن تتفتّح

وأن تحتضن الندى

وتكون ذا عطر طيّب

لكنّ أجمل الأزهار

هي المصطفة والمستورة

وأكثرهن تقوى هي ذات اللون السود

تلك الحياة

بلا موسيقى

بلا غناء

بلا وجه جميل حسن

بلا قصائد

بلا كأس .

بلا خيّام

هي حرام

وإن كانت الجنّة فتباً لها (39)

إن الحياة زاخرة بكلّ ما هو جميل وأخّاذ، فلماذا نحيلها إلى جحيم لا يطاق، هذا هو ما أرادت القصيدة قوله واجتهدت في تمثيله وتكريس أنموذجه، فهي إذن تشتغل ضدّ الفقد والأسى والحرمان الذي يعانيه الإنسان، وتصطف إلى جانب الجمال الكامن في عناصر الحياة الراقية المتمثلة في الموسيقى واللوحة والوردة والمرأة والقصيدة والكأس، معيداً إلى الأذهان فلسفة الشاعر عمر الخيام في رباعيته الخالدة .

وتستمر إشكالية الموت على هذا الأنموذج الحيوي الإنساني في قصائد الشاعر شكري شهباز، ففي قصيدته الموسومة بـ ((الموت)) تتصدّر عتبة الإهداء التي نصّها ((مهداة إلى الفنان التشكيلي الراحل سعد الدين باته يي))، وهي تحيل على قضية الموت المشخّص، ولعلّ بنيتي العنوان والإهداء المتجاورتين والمتماثلتين والمتداخلتين تفسّران لجوء الشاعر إلى درامية التعبير الشعري، وإلى رفد القصيدة بالجمل الشعرية التشكيلية .

اشتغلت حركية التعبير الشعري في تشكيل رؤيتها الصورية عبر تقانة الرسم ((ألوان/ظلال/ستاند/فرش/لوحة/ضوء))، ولكنها لم تخل من بعض الصور السوداء المنفّرة كقوله :

الليل جسد ميّت في عينيّ                             (40)

و :

هذه الغرفة تابوت أفكاري (41)

كما تحفل القصيدة ببعض الصور التي تحيل على عالم اللامعقول واللغة الشعرية الفانتازية غير الواقعية كقوله :

الباب وحش جائع يفترس جسدي   (42)

و :

قضبان الشبابيك أفاعٍ تلدغني (43)

و :

اخرجي من شقوق الجدار

مرة واحدة فقط (44)

إن الموت يسيطر على أحاسيس الشاعر ورؤاه ولغته وفضاءاته وعوالمه الشعرية، لذا فإن كلّ شيء يبدو في عينيه قبيحاً ومنفّراً ومعادياً إلى درجة التوجس والرعب والافتراس .

أما قصيدة ((لوحة عارية)) فهي قصيدة تشكيلية بامتياز، قصيدة تشتغل على تحولات الزمان وتحفل بالتشبيهات الجميلة المعبّرة :

فـ ((الصباح طفل جبليّ))

و ((الظهر شاب بلا أمل))

و ((المساء عجوز مهموم غاضب)) (45)

إذ يتمّ فعل أنسنة الصباح وتجسيده شعرياً، فهو يمارس أفعالاً وحركات بشرية ـ طفولية ((يضحك/يصرخ))، وكذلك هو (الظهر) إذ يبدو شاباً يتسكّع داخل أروقة ذاته خالياً من الأمل، أما المساء فهو الآخر تمّت أنسنته فهو ((عجوز مهموم غاضب))، وآخر الأوقات في يوم الشاعر هو الليل .

 

هوامش البحث :

 

(1) القصيدة في النقد العربي القديم والمعاصر، مرشد الزبيدي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1994 : 11 .

(2)  مشكلة البنية أو أضواء على البنيوية، د. زكريا إبراهيم، دار مصر للطباعة، القاهرة، د . ت : 33 .

(3)  بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986 :27 .

(4)  ندوة الموقف الأدبي حول اللسانيات، أنطون مقدسي وآخرون، مجلة الموقف الأدبي، العدد 112، دمشق، 1980 : 184 .

(5)  الشعر المعاصر في اليمن : الرؤيا والفن، د. عز الدين إسماعيل، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 1972: 241 .

(6)  البنى الشعرية، دراسات تطبيقية في الشعر العربي، عبد الله رضوان، منشورات أمانة عمان الكبرى، عمان، 2003 : 5 .

(7)  بنية القصيدة في شعر عز الدين المناصرة، د. فيصل القصيري، دار مجدلاوي لنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2005 : 18 .

(8)  قصائد من بلاد النرجس، مجموعة شعراء، ترجمة حسن سليفاني، مطبعة كلية الشريعة، دهوك، 1999 .

(9) م . ن : من المقدمة التي كتبها الشاعر فاضل عمر بعنوان ((تقديم)) : 7 .

(10) قصائد من بلاد النرجس : 129 .

(11) م . ن : 125 .

(12) م . ن : 119 .

(13) م . ن : 120 .

(14) الشعرية العربية، أدونيس، دار الآداب، بيروت، ط1، 1985 : 87 .

(15) قصائد من بلاد النرجس : 13 .

(16) م . ن : 15 .

(17) م . ن : 16 .

(18) ينظر كتاب نازك الملائكة ((قضايا الشعر المعاصر))، مكتبة النهضة، بغداد، ط2، 1965، وقد طرحت فيه الكثير من الآراء المهمة حول القصيدة الحديثة، وناقشها فيها الكثير من النقاد المهتمين بإشكالية هذه القصيدة وقضاياها .

(19) م . ن : 26 .

(20) م . ن : 26 .

(21) م . ن : 27 .

(22) م . ن : 31 .

(23) م . ن : 32 .

(24) م . ن : 33 .

(25) م . ن : 34 .

(26) م . ن : 36 .